سجال في النجف حول ضرورة الحد منها: تعطيل للسياسة وللاقتصاد ولدوائر الحكومة


بغداد ــ زيد الزبيدي
بدأ أهالي النجف برفع أصواتهم، وانتقاد الشعائر الدينية التي صارت شبه مستمرة طيلة العام؛ فما إن تنتهي زيارة أو ذكرى مولد إمام، حتى تحلّ الثانية بعدها بأيام، فضلاً عن مناسبة عاشوراء وحدها، التي تستمر طقوسها شهرين متتاليين. في المحصلة، صار مجموع المناسبات الدينية «أكثر من أيام السنة» في السنوات السبع الأخيرة.
ويؤكد الأهالي من كبار السن أن هذه الشعائر حديثة العهد، حيث ظهرت بعد الاحتلال الأميركي، ملاحظين أن ظاهرة التوجّه سيراً على الأقدام لزيارة كربلاء، كانت مقتصرة على يوم أربعينية الإمام الحسين فقط. ويربط معظم العراقيين ظاهرة ازدياد عدد الأعياد والمناسبات الدينية، السعيدة منها أو الحزينة، بارتفاع حدة المذهبية، وحاجة مجموعات كاملة للتعبير عن مشاعر التعبُّد لديها، بعدما مُنعت طويلاً من فعل ذلك، وهو ما يقابله ارتفاع الانتماءات العصبية المذهبية عند الطرف الآخر.
وتأتي هذه الأصوات تزامناً مع زيارة النصف من شعبان، ذكرى ولادة الإمام المهدي الذي صادف يوم الثلاثاء الماضي، حيث اتجهت الجماهير سيراً على الأقدام من مختلف المحافظات العراقية إلى كربلاء، رغم أنّ مقام الإمام المهدي موجود في سامراء.
وفي كل مناسبة دينية، تتعطّل الحياة في المدن الجنوبية، وخاصة في النجف وكربلاء، وتعلن الدوائر الحكومية عطلة رسمية تستمر من بدء المناسبة لحين انتهائها، ما يلحق الضرر بالكثير من المواطنين، وخاصة الذين لديهم مراجعات للدوائر الحكومية. ومن مظاهر فوضى الأعياد، ما يسمّيه البعض فدرالية المحافظات في التعاطي معها؛ فقد كرّس مجلس محافظة كربلاء ذكرى ولادة الإمام المهدي كعطلة رسمية لجميع الدوائر الرسمية في المحافظة، في قرار اتخذته الحكومة المحلية في المدينة من دون العودة إلى الحكومة المركزية في بغداد، باعتراف رئيس مجلس المحافظة محمد الموسوي.
ويقول أستاذ الحوزة العلمية، السيد نصير البكاء، وكيل المرجع الديني محمد إسحاق الفياض، إنّ «رسول الله ينبهنا إلى مسألة العمل والاهتمام بها، والآن نحن طيلة السنة مشغولون بالزيارات وطقوس وفيات الأئمة ومواليدهم»، مشيراً إلى «عدم جواز تعطيل دوائر الدولة وإغلاق المدارس والكليات وإشغال الأجهزة الأمنية بحجة الزيارات الدينية».

المناسبات الدينيّة تشغل من اهتمامات الأجهزة الأمنية ما يعادل ثلث أيام السنة
بدوره، يؤكد عضو البرلمان العراقي عن «الائتلاف العراقي الموحَّد»، محمد إسماعيل الخزعلي، أنّ «كثرة العطل أدّت إلى إضعاف الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان السابق، ومواكبة التطورات السياسية، وقد أثر ذلك كثيراً على قضية تقديم الخدمات للبلد».
أما مدير القسم السياسي في جامعة الصادق، الدكتور علاء داخل، فيرى أنّ «جملة المناسبات الشيعية تشغل من اهتمامات الأجهزة الأمنية العراقية ما يعادل ثلث أيام السنة، وهو أمر لافت. وكان بعض الليبراليين الشيعة يتوقعون أن تعلّق الحوزة الدينية في النجف على الحوادث الدامية التي تنتج دائماً بعد كل زيارة للأضرحة، وأن تدعو إلى تأجيل الزيارات، أو القيام بها رمزياً داخل المناطق السكنية، وخصوصاً أن هذه الزيارات هي من المستحبّات، وليست واجبات دينية لازمة كالصوم أو الصلاة أو الحج».
ويأسف داخل لأنّ «الحوزة لم تصدر تعليقات واضحة بهذا الصدد، ويبدو أن لا أحد من القيادات الدينية والحزبية يريد أن يحد من هذه الزيارات التي تعطل في الغالب عمل الدوائر الحكومية والجامعات والمدارس والمصارف، وحتى النشاطات الاقتصادية الحرة، وأعمال الأجور اليومية، وأعمال البيع والشراء في الأسواق». ويضيف «على العكس، فإنّ معظم الأحزاب العاملة في الساحة، تسعى لاستثمار هذه المناسبات لكسب تأييد أكبر لأجنداتها السياسية، وغدا من المألوف أن تصطبغ هذه الشعائر الدينية البحتة بعناوين سياسية محددة».
وفي السياق، يكشف الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف، الشيخ معين الصفار، أنّ «حوزة النجف تشهد هذه الأيام بعض الحوارات والمناقشات بين أساتذتها حول المناسبات الدينية، ما أدّى إلى تباين في الآراء، وخروج تكتلات لرجال دين يصفون أنفسهم بالمعتدلين لأنهم بدأوا يطالبون المراجع العليا بإصدار فتاوى تحدّد أيام الزيارات ومواعيدها وكيفية الاحتفال بها».
أما عضو مجلس إدارة «مؤسسة أصوات للإعلام المستقل»، مستشار أحد مراجع الدين في النجف، عماد محيي الدين، فيعترف بوجود «بعض المغالاة في طريقة أداء الطقوس الدينية». لكنه يبرّر ذلك بالقول إنّ الشيعة «حُرموا على امتداد 35 عاماً من أداء بعض الطقوس، لذلك مثلاً أخذت هذه الطقوس بالاتساع، فأصبح المشي مقترناً بكل مناسبة دينية، بعدما كانت محصورة فقط في أيام عاشوراء». هكذا، يختم محيي الدين أنّ «لدينا 12 إماماً، صارت أيام مولدهم ووفاتهم وأربعينياتهم مدعاة لتنظيم مناسبات دينية كبيرة، تتخللها ظاهرة المشي على الأقدام من مسافات بعيدة»