صنعاء | تمكنت التحولات الميدانية التي شهدها الأسبوع الماضي من تفكيك الحملة الإعلامية التي شنها التحالف منذ أسابيع، وإظهار وهنها. طبول الحرب التي لم تتوقف وسائل إعلام خليجية عن قرعها في الفترة الأخيرة، اختفى صوتها بعد عملية مأرب التي أوقعت خسائر لم تشهد دول الخليج في تاريخها مثيلاً لها. أدت المبالغة التهويلية التي أصرّ عليها التحالف وإعلامه في الحديث عن «معركة صنعاء» في وضع الخليج موضع حرج، إذ سرعان ما تلاشت تلك الدعاية بعد عملية مأرب، حتى باتت تقتصر الآن على الحديث عن «تطهير الجيوب»، أي المناطق التي لا يزال الجيش و«أنصار الله» يسيطرون عليها في الجنوب، أما اللافت فكان في كلام المتحدث العسكري باسم التحالف، أحمد عسيري، الذي نفى نية الهجوم على صنعاء، مؤكداً أن الأولوية الآن «لتحرير مأرب وتعز».


في هذا السياق، يرى رئيس تحرير صحيفة «الوسط» اليمنية، جمال عامر، أن «الحرب البرية الخليجية ما زالت حتى اللحظة «أخباراً إعلامية» تقودها قناتا «العربية» و«الحدث» السعوديتين و«الجزيرة» القطرية، وعدد آخر من المحللين العسكريين والسياسيين «الذين يختلفون في ما بينهم بشأن أي من تلك المناطق ستسقط أولاً، صنعاء أو مأرب أو صعدة». ويشير في حديثٍ إلى «الأخبار»، إلى أن عسيري «أرجعهم إلى الوراء حين تحدث عن أولوية تحرير تعز ومأرب، مع أنّ ـ كما يقولون ـ معظم هذه الأخيرة في يد حلفائهم».
وبعدما كانت قنوات ووكالات أنباء مؤيدة للعدوان، قد أعلنت وصول قوات إماراتية ومصرية وسودانية وأخرى قطرية إلى اليمن، نفت القاهرة والخرطوم صحة تلك الأنباء، مؤكدة أنها لم ترسل أي قوات إلى اليمن. إلا أن قطر أكدت أن الموضوع «لا يزال قيد الدراسة وأنها قد ترجح عدم المشاركة بأي قوات برية»، وذلك عقب اتصال أميرها بالأمين العام للأمم المتحدة بعد إعلان الأخير استياءه من نية الدوحة إرسال قوات إلى اليمن.


أكد مؤتمر أعيان
مأرب ضرورة مقاومة قوات الغزو

ويأتي هذا التراجع تحت ضغط مواقف دولية رافضة للتصعيد في اليمن بالتزامن مع ضغوط شعبية داخل بعض تلك الدول. وفيما كان المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قد عبرا عن استيائهما من الحملة التصعيدية التي احتدمت في الإعلام الخليجي خصوصاً، كان الشارع الإماراتي قد شهد حراكاً ساخطاً بعد مقتل أكثر عشرات الجنود الإماراتيين في مأرب، مطالباً بإعادة كل المجندين الإماراتيين من اليمن وعدم الزجّ بهم في الحرب هناك. وأثيرت في هذا السياق معلومات عن عدم اعتزام الإمارات إرسال قوات جديدة إلى اليمن، وقد تعلن سحب بقية مجنديها أيضاً.
وفيما كانت وسائل إعلام العدوان تسخر طاقاتها في توجيه رسائل تخويفية إلى أهالي العاصمة صنعاء، كانت عناصر موالية له تنشر شائعات عبر وسائل مختلفة تحرض الناس على مغادرتها، سواء عبر منشورات في الشوارع أو رسائل عبر تطبيقات «واتس آب» و«فايسبوك» وغيرها، وهو ما لم يلقَ التأثير المطلوب في الشارع الصنعاني المكتظ بالحركة وبالحياة اليومية الطبيعية. ويرى الناشط السياسي، صادق القاضي، أن السعودية وحلفاءها «لا تملكان أي قدرة واقعية راهنة لاجتياح صنعاء»، معتقداً أنها شغلت بترسانتها الإعلامية الهائلة بغرض الإيحاء للرأي العام الدولي والعربي بأن الحرب في معركتها الأخيرة وهي إسقاط العاصمة وإحلال نظام جديد فيها. ويضيف أنها تريد صنع حدث لينشغل به الجميع على حساب انشغالهم بحقيقة الحرب ومأساويتها وعبثيتها، التي كان العالم قد بدأ يتململ منها، ويمارس الكثير من الضغوط للخروج منها بحل سلمي. في السياق نفسه، يرى محمد الشامي أن الحملة الإعلامية في الأساس تستهدف كسر صمود الشعب اليمني الذي فشلت في كسره بالصواريخ اليومية والغارات التي لا تنفك تسقط على أحياء العاصمة قبل أن تأتي للتغطية على الفشل الذي بدأ من عجزهم عن تحقيق شيء في عدن، رغم انسحاب الجيش و«اللجان» منها، ولا ينتهي عند فشلهم عسكرياً في مأرب وهزيمتهم مع أول صاروخ.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الجيش و«اللجان الشعبية» تقدمهم الميداني على جبهات تعز ومأرب بحسب الإعلام الحربي، جاء مؤتمر مشائخ وعقال ووجاهات مأرب الذي دعا إلى تشكيل جبهة لمواجهة الغزو وتطهير مأرب من الاحتلال، ليظهر الاختلاف الكبير بين الواقع الميداني في مأرب والميدان في عدن مثلاً. فالمؤتمر الذي عقد أول أمس، أكد غياب الحاضنة الشعبية في مأرب لقوات الغزو وأعلن ضرورة مقاومتها، ما يجعلها باستمرار في موقع المستهدف، وهو ما سيجعل السيطرة على مأرب والاستقرار فيها أولوية، بعدما كان التحالف يعتقد أنها ستكون منطلقاً لعمليات اجتياح صنعاء.
وكان المتحدث الرسمي باسم الجيش اليمني، غالب لقمان، قد قلل من أهمية التهويل السابق باعتبارها حرباً نفسية. وفيما يكشف أعيان مأرب في بيان صحفي عن جاهزيتهم لمواجهة قوات الاحتلال والتصدي لكل تهديداتهم، يؤكد العميد لقمان في حديثٍ إلى «الأخبار»، أن الجيش اليمني و«اللجان الشعبية» على استعداد تام. وفي رسالة طمأنة للشارع اليمني يقول لقمان: «لدينا رصد لتحركاتهم وخططهم أولاً بأول، وهي ‏توضع ضمن خيارات و‏أدوات المواجهة وفرضيات اللقاء وكلها موضوعة في الحسبان».