...وهبّت العاصفة الرملية. كنتُ أعتقد حينما سمعت عن عاصفةٍ رملية أنها ستكون ــ على أبعد تقدير ــ شبيهةٍ بتلك التي تعودنا رؤيتها؛ ضباباً خفيفاً لساعات معدودة. لكن أن تكون بهذا الحجم؟ لم أتوقع. قد يكون المخيّم جزءاً من لبنان. لكن مع هذا، فإنه يختلف اختلافاً جذرياً عن سواه في لبنان، ولم تكن زيارة العاصفة الرملية لتجعله أكثر شبهاً، بل بالعكس، زادت من حدّة الأمر والاختلاف.


ما إن تخرج من منزلك حتى ترى الدنيا بأكملها صفراء. في البداية لن تلمح أشياء كثيرة من ضمنها أسلاك الكهرباء المبعثرة والممتدة في الزواريب على علو منخفض. المشكلة في المخيم أن البيوت متلاصقة (الحيط عالحيط كما يقال). والطرقات ضيقة زلقة، وكونك تسكن هناك منذ طفولتك، ذلك يمكنك من تحديد الاتجاهات فطرياً، لا بفعل الحواس البسيطة. من هنا، فإن أغلب القاطنين في المخيم يذهبون إلى منازلهم ــ أو أي الأماكن التي يرغبون ــ بفعل البصيرة لا البصر. هذه الميزة هي أساس الميزات التي استعملتها إبان العاصفة الرملية. هذا عنّي، لكن ماذا عن "الأشخاص الجدد"؟ ماذا عن "الغرباء" عن المخيّم الذين لا يعرفون الطريق؟
اليوم الأوّل من العاصفة كان يوماً شهد أكبر عدد من الشجارات، شجارات لم أشهد مثلها في كل حياتي. كان الجميع يرتطمون بالجميع! قد يبدو المشهد مضحكاً إذا ما كتبت عنه، لكن مع هذا كان حقيقياً إلى درجةٍ كبيرة. الضباب (الغطيطة) الصفراء تغطي نصف مجال الرؤية، والحوائط تغطي النصف الآخر، فرصة أن ترتطم بأحدهم باتت 100 بالمئة. لجأ البعض إلى النداء أثناء مشيه، اعتمدت النساء وهن ذاهبات الى سوق الخضر الشعبي التحدث بصوت مرتفع كي ينبهن العابرين الى عبورهن هن أيضاً، بالإضافة الى الصراخ عند سؤالهم عن سعر اللوبياء والبصل والفاكهة المختلفة. كان المشهد سوريالياً ومحزناً في آن!
بعد ذلك، بدأت الغطيطة تنقشع وعادت الأمور قليلاً إلى مجاريها، كما ظن الكثيرون، لكن الأمر لم يكن كذلك: لقد كانت تلك البداية فحسب. أولاً تحوّلت المياه إلى حمراء وصفراء في أغلب بيوت المخيّم، فضلاً عن أن كل شيء بات "مغبراً" بشكلٍ مخيف. ستبدأ بعد قليلٍ إذاً حملات التنظيف المنزلي القاسية، وهذا بالفعل ما بدأ يحدث، لكن سرعان ما توقف بفعل استمرار العاصفة، فما نفع النظافة إذا كان الأمر سيتكرر، فضلاً عن أن المياه نفسها باتت صفراء هي الأخرى؟ بدا بشكلٍ كلي أن العاصفة ستسكن المخيّم هي الأخرى. كان صوت إحدى النساء المعمرات في المخيّم وهي تحكي لحفيدتها عن عاصفةٍ شبيهة مرت بها أثناء وجودها في فلسطين: "يا ستي شو هاي العاصفة؟ شو مفكريتيها عاصفة؟ إيه هاي "عزقة" (كذبة) إحنا على إيامنا كانت العاصفات تقبع السيارات من الأرض، إنتو هلاهيل (ضعاف) وبتخافوا من كل شي". فكرت كثيراً في كلامها وأنا أعبر: "الظاهر إحنا هلاهيل والعواصف تبعيتنا كمان هلهولة زينا".
رغم كل هذا، والعاصفة الصفراء الترابية المغبّرة كان كل شيء في المخيم يقاوم ليعود الى الحياة بشكلٍ طبيعي، وأكثر ما كان يضحكني (ويحزنني) هو أن محال الحلويات الشعبية والشاورما (والتي اعتادت عرض بضاعتها الحساسة خارج محالها) كانت تبيع بشكلٍ اعتيادي، كما لو أن شيئاً لم يحدث! لا بل بالعكس: كان هناك زبائن، يشترون ويتذوقون ويقبلون على سندويشاتهم المغبرة كأن شيئاً لم يحصل!
قلت في نفسي: يا إلهي... على ما يبدو فعلاً أن لا شيء يؤثر بمناعتنا المتراكمة عبر عقود من الإهمال. الظاهر ما بيأثر فينا شي! ثم هززت رأسي مستخفة وأنا أفكر في جدتي "قال هلاهيل قال".