في حي جوبر الدمشقي كان الجميع يتحاشى أبو هاني! في أواخر الثمانينات من عمره كان يصيب الناس بالدهشة حين كان يركض مسرعاً خلف الأطفال الذين يحاولون إزعاجه وهم يصفقون خلفه "أبو هاني... أبو هاني"، فطاقة الشباب لم تفارقه حتى آخر يومٍ في حياته.


حكت لي أمي أنه كان يعيش في ضيعة أبيها في قرية سحماتا قضاء عكا، وكان معروفاً عنه أنه يباطح الثيران، والجميع يحسب حساباً لغضبه. من قصصه المشهورة قبل النكبة، أنه عندما كان يذهب لحراثة الأرض، كان يبحث دوماً عن "نير" الحراثة الذي كانت أم هاني تذكره بأنه... على كتفه! لقد كان قوياً إلى حد نسيان ثقل نير الحراثة على كتفه! حتى أنني شهدت على أمارات تلك القوة، مع أنه كان في أواخر سنوات عمره. كان أبو هاني انفعالياً، يغضب عندما يزعجه موقف ما فيتدخل حتى في ما لا يعنيه، أو ما يعتبره البعض أنه لا يعنيه. حتى اليوم، ما زلت أتذكر جارتنا التي هربت في منتصف الليل من وحشيةِ زوجها الذي كان يضربها، خرجت مسرعة هاربة حتى أنها لم تتنبه إلى أنها كانت سافرة. حينها، كان أبو هاني كالعادة يتمشى على ضفة نهر "قليط" الشهير في جوبر. رأته السيدة يومها فاحتمت به، فما كان منه إلا أن هتف بشهامة: "وصلتي"، ثم هجم على زوجها بكل ما طالته يده من أحجار وأغصان ثخينة، وكاد يقتله لولا تدخل أبنائه الذين سيمضون اليوم التالي مشغولين في التوصل إلى حل حبي مع "الضحية".
وقفتُ مرةً، وكنتُ لا أتجاوز الستة أعوام، أراقبه وهو يتمشى على ضفة النهر، عاقداً يديه خلف ظهره المشدود. كثيراً ما تساءلتُ لماذا يمضي كل هذا الوقت وهو يذرع الضفة جيئة وذهاباً؟ قيل لي في ما بعد أنه ومنذ وفاة أم هاني لم يغير هذه العادة. حاولتُ يومها تجاوزَ خوفي منه وأخذت أتمشى مثله بشكلٍ مقابل، انتظرته حتى وصل إلى نهاية النهر وقبل أن يستدير، شبكتُ يديّ خلف ظهري ورحت أسير خافضاً رأسي لئلا يعتقد بأنني أقلده فيغضب علي ويضربني. كنت فقط أريدُ اختبار هذا الشعور، وما إن أصبحنا وجهاً لوجه حتى رأيتُ في عينيه نظرةً مرعبة أوقفت الدمَ في عروقي. يومها صرخ في وجهي "عم تجائرني ولك بحطيطي؟".
لم أفهم معنى "بحطيطي" لكن كان كل همي أن ألوذ بالفرار، وأنا أفر، ومن دون قصد، ارتطم كتفي بيده. يومها علمتُ أنه أصبح لي حساب مع أبو هاني، وأنه سيصفيه عاجلاً أم آجلاً! ومنذُ ذلك اليوم كان عليَّ أن أحترس.
عندما عدتُ إلى البيت سألتُ أمي عن معنى كلمة "بحطيطي"، فأخبرتني أنه كان رجلاً مجنوناً من عائلة البوحطيطي وكان يعيش في قرية سحماتا، ثم، ومن تلقاء نفسها، علمت أن أبو هاني هو من شتمني بتلك الكلمة.
ويحكى أيضا أنه في قرية سحماتا، أعلن عن ملاكم بريطاني شهير سوف يزور القرية. ويومها وزع الاحتلال البريطاني منشورات تتحدى أي ملاكم فلسطيني أن يواجهه! لا بل إن المنشورات قالت إن الذي يستطيع هزم هذا الملاكم البريطاني سوف يحصل على جائزة قيمة. ولأنه لم يكن في ذلك الوقت من نواد رياضية في القرية، فقد تبرع أحد المحترفين بتدريب من يشعر أن لديه الجرأة لمواجهة هذا الملاكم. هكذا، أخذ جميع من في القرية يحرضون أبو هاني على مواجهته، قائلين لإقناعه، إن الأمر يمسّ شرف الضيعة ولا بدّ أن يكون هناك منقذ لهذا الشرف.
يومها قال لهم أبو هاني: "إيش هاظا تدريب ما تدريب ولله لأفلخه فلختين" (لأفسخه إلى نصفين)، لكن المدرب شرح لهم أن هناك قوانين للعبة ولا بدّ من احترامها، لذا لا بدّ من التدريب. وخلال أسبوع كامل قام أبو هاني بتدريبات مكثفة على أمل أن يصبح نداً لملاكمٍ يتدرب منذ سنواتٍ طويلة. وعندما حان وقت المبارزة في الساحة العامة، بدأ أبو هاني يتلقى الضربات يمنة ويسرة وهو لا يملك لصدها أي تقنية أو مرونة. وفجأة انحنى على الأرض وأخرج عصا غليظة من تحت الرمل وانهال بها على رأس الملاكم حتى كاد يفقده وعيه! يومها ذهب الملاكم إلى المستشفى وأبو هاني إلى السجن! وعندما سأله الضابط من أين أتى بالعصا أخبره أنه خبأها في الليلةِ السابقة للمبارزة لأنه شعر بأنه لن يستطيع هزمه وهو لا يعلم عن فن الملاكمة شيئاً. وعندما سأله الضابط لماذا لم ينسحب؟ قال له أبو هاني: "ولكو كاعدين في أرضنا وجايبين واحد يتحدى رجالنا وبدكو ياني أنسحب؟ ولله لو على موتي مش رايح أنسحب". حينها، قامت اللجنة البريطانية بمضاعفة المكافأة له كتعبيرٍ عن احترامها لوطنيته! أما سحماتا؟ فقد استقبلته استقبال الأبطال، وأصبح الجميع يقول عنه: "هاظا اللي كسر راس البريطانيين".
لفترةٍ لا بأس بها اعتقدتُ أن أبو هاني لا ينام أبداً. كنتُ أشاهده عند النهر ليلاً، وأشاهده قبل بزوغ الشمس، وفي الأوقات العادية، كان لدي فضولٌ كبير في أن أرى بيته الذي يعيش فيه وحيداً. فقد أشيعت أقاويل كثيرة عن البيت بين الفتية، من نوع أن غرفته مليئة بالسكاكر! لذلك طلبتُ من أحد أحفاده أن يأخذني إلى بيت جده عندما يكون غائباً، وهذا ما حدث فعلاً. أخبرني حفيده تمّام أن جده في المستشفى وأنه يمكننا الذهاب إلى بيته.
كان يكفي أن ترفسَ الباب بقدمك حتى يُفتح، ما أن فُتح الباب حتى هبت رائحة الورد الجوري التي تملأ الدار الفسيحة المبنية من الطوب واللبن. صعد تمام إلى سطح البيت لكي يقطف العنب من الدالية التي تغطي سطح الدار، أما أنا فتوجهتُ إلى غرفة نوم أبو هاني مباشرةً وفي ظني أنني سأغرق في السكاكر لكثرتها لكنني لم أجد شيئاً.
الغرفة المعشقة برائحة الصندل والمسك والتي ما زالت عالقة في ذهني إلى الآن، جعلتني أشعر بسعادةٍ غامرة، اتجهت نحو "ديوانة" محفورة في الجدار وقد امتلأت بالكتب، فرأيت كتاباً عليه رسومات للحيوانات فحملته بشغف، كان كتاب "كليلة ودمنة"، قررتُ يومها أن آخذه عوضاً عن السكاكرِ التي لم أجدها. أمضيتُ الليلَ كله وأنا أقرأ في الكتاب، وهذه كانت أول علاقتي مع الكتب ومع أنني لم أدرك اللغة جيداً إلا أنني شعرت بعالمٍ من الخيال المرح يتجسد في ذهني.
في اليوم التالي، صدح صوت المؤذن يعلن وفاة المرحوم علي زيدان. حينها شهقت أمي وقالت "أبو هاني توفى"، أذكرُ حينها أني شعرتُ بقليلٍ من الراحة لأن أبو هاني لن يكتشف سرقتي لكتابه.
في المساء، وعندما انتهت جلسة العزاء خرجت عند النهر، كان كل شيءٍ حيادياً، فراغٌ كامل في المكان، بدت الحارة في نظري وكأنها من دونِ أي حياة، تأكدتُ حينها أن أبو هاني قد اختفى، شعرتُ بغصةٍ حادة في حلقي، واتجهت نحو النهر شابكاً يديّ خلف ظهري وصرتُ أصيح بصوتٍ مخفوض وأنا أبكي: "أبو هاني وينك؟". كنتُ أعزيه على طريقتي، حتى بات السير بهذه الطريقة على ضفة النهر عادةً أقوم بها يومياً، حينها أطلق عليَ الكثيرون لقب "أبو هاني تنين" وكنتُ أشعر بالسعادة لهذا الأمر لأنني استطعت أن أحفظ ذكراه.
آخرُ مرةٍ رأيت بها أبو هاني وجهاً لوجه، عندما دخل إلى بيتنا في أول أيام عيد الفطر السعيد وسأل أمي عني، وقال لها إنه يريد أن يعطيني "خمس ليرات عيدية"، كنت أعلم أن نيته هي الانتقام مني لأن كتفي ارتطم بيده، وتحت إصرار أمي الشديد تقدمتُ كي آخذها منه، يومها مسك على يدي بشدة وهو يضرب بها الخمس ليرات، وقال لي: "ثاني مرة تطرقش بإيدي".