القاهرة | يمهّد القضاء المصري لخروج السلفيين من الحياة السياسية والبرلمانية برمتها. حكم أصدرته محكمة القضاء الإداري يلزم «لجنة شؤون الأحزاب السياسية» المسؤولة عن إشهار الأحزاب وتأسيسها، باتخاذ إجراءات لحل 11 حزباً دينياً في مقدمتها حزب «النور» السلفي، المنافس الوحيد لقائمة «في حب مصر» المحسوبة على الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع أن «النور» أعلن أنه سيشارك بـ60 مرشحاً على مقاعد القوائم المخصص لها 120 في البرلمان المقبل، أي بقائمتين بدلاً من أربع، ولكن إلى جانب عشرات المرشحين على مقاعد الفردي.


وبالتوازي مع حكم المحكمة، الصادر أول أمس، ثمة تحركات في الشارع على غرار توقيعات «تمرد» التي مهدت لإسقاط الرئيس الأسبق محمد مرسي، تقودها حملة «لا للأحزاب الدينية»، وذلك لجمع التوقيعات ضد ما تسميها «الأحزاب الدينية»، وهي حملة تستهدف في المقام الأول «النور»، وتتنقل الآن بين المحافظات المختلفة لجمع التوقيعات ضد الحزب.


حملة «لا للأحزاب الدينية» لجمع التوقيعات تستهدف «النور» أولاً

سياسياً، يبدو الحزب السلفي في مأزق كبير وسط رواج ونشاط معلومات داخل أروقة «الدعوة السلفية» بأنهم ما أخذوا من السياسة إلا «وجع الدماغ»، وأن السياسة جنت على نشاطهم الدعوي، وهي تبدو كمعلومات ممهدة لعودة السلفيين إلى قواعدهم بعيداً عن السياسة. مأزق الحزب نابع من أنه فقد الحاضنة بين أوساط الإسلاميين عموماً، فيما يواجه هجوماً شديداً، من خارج أوساط الإسلاميين، يضعه بين شقي الرحى. وبين هذين الضغطين، يبدو موقف الدولة غير حاسم، فيما تستغل القاهرة كل ما يجري للضغط على الحزب.
حكم القضاء، المذكور، ألزم «لجنة شؤون الأحزاب» بإعمال الدستور وقانون الأحزاب اللذين «حظرا قيام الأحزاب على أساس ديني»، و«دراسة الموقف القانوني ﻷحزاب النور والوسط ومصر القوية والعمل الجديد والأصالة والفضيلة والوطن والبناء والتنمية والإصلاح والحضارة والاستقلال».
كذلك على اللجنة إحالة بلاغ سبق قدمه محامٍ إلى اللجنة في 14 تشرين الأول الماضي، يطالبها فيه بمراجعة الموقف القانوني للأحزاب الأحد عشر، ومخاطبة النيابة العامة للتحقيق في مرجعية تلك الأحزاب الدينية و«مدى ارتكابها ممارسات معادية لثورة 30 يونيو ومشاركتها في أعمال العنف كاعتصامات النهضة ورابعة، وتشكيلها تنظيمات عسكرية وتأييدها أعمال العنف التي يقوم بها الإسلاميون ضد الدولة».
في ضوء تحقيقات النيابة، ستحدد اللجنة مدى افتقاد تلك الأحزاب شروط التأسيس أو استمرارها باعتبار أنه لا يوجد في مبادئ الحزب أو أهدافه وبرامجه ما يتعارض مع الدستور، أو عدم قيامه على أساس ديني أو طائفي أو طبقي، وذلك كي تخاطب المحكمة الإدارية العليا، التي أوكل لها الدستور وقانون الأحزاب سلطة حل أي حزب بموجب حكم قضائي.
أما «لجنة شؤون الأحزاب»، فلم تعلق على الحكم، لكن أحد أعضائها، أبلغ «الأخبار» أنها ستعقد اجتماعاً عاجلاً اليوم (الإثنين) لدراسة الحكم وتحديد الإجراءات التي ستتخذها، مضيفاً أن اللجنة «سبق أن طالبت النيابة العامة بالتحقيق وجمع الأدلة الخاصة بمشاركة عدد من الأحزاب في اعتصامات رابعة والنهضة، وخاصة حزب البناء والتنمية (الذراع السياسية للجماعة الإسلامية) في العام الماضي، وبرغم ذلك لم تنته النيابة من تلك التحقيقات».
وبرغم غموض الموقف القانوني لـ«لجنة شؤون الأحزاب»، ومدى إمكانية استجابتها لحكم القضاء الإداري، من شأن تنفيذ هذا الحكم أن ينسف مشاركة الأحزاب الدينية في مصر في الانتخابات البرلمانية في حال صدوره. وطبقاً للمحامي عصام الإسلامبولي، الصادر لمصلحته الحكم في حال إصدار المحكمة الإدارية العليا حكماً بحل أي من الأحزاب الدينية المشاركة في الانتخابات قبل الموعد المحدد لبدئها، فإن ذلك «يوجب على اللجنة العليا للانتخابات أن تشطب مرشحي تلك الأحزاب من قائمة المرشحين».
أما في حال حل الحزب بعد تشكيل البرلمان، فسيكون على مجلس النواب أن يفصل في صحة عضوية المنتمين إلى تلك الأحزاب تطبيقاً للمادة 6 من قانون مجلس النواب، التي تشترط لاستمرار العضوية أن يظل العضو محتفظاً بالصفة التي انتُخب على أساسها، في حين أن «فقدان هذه الصفة أو تغيير الانتماء المنتخب على أساسه... أو صار المستقل حزبياً، تسقط عنه العضوية بقرار من مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس».
ومع أن حكم «القضاء الإداري» وحديث «لجنة الأحزاب»، التي غالبية أعضائها يدخلون في تشكيل «اللجنة العليا للانتخابات»، يخص 11 حزباً دينياً، لكن الجميع رأوا أن الحكم بداية لخروج «النور» من المشهد السياسي، خاصة أنه الحزب الإسلامي الوحيد الذي قرر دخول الانتخابات تحت مظلة حزبية ولم يكتف بالمشاركة الفردية تحت مسمى مستقل. هذا ما ردّ عليه الحزب نفسه بالتشديد على صحة موقفه القانوني، مستشهداً بحكم أصدرته المحكمة نفسها أول من أمس أيضاً، وفيه رفض دعوى أقامها أحد المحامين لاستبعاد أعضاء «النور» من الترشح.