بات واضحاً أنّ معضلة رئاسة الوزراء العراقية باتت منحصرة في البيت الشيعي، حيث الأمور لا تبدو سلسة، بل تعصف بها الخلافات التي يبقى ضابطها الوحيد وحدة الصف خشية ضياع المكتسبات التي حصلت عليها الطائفة في مرحلة ما بعد صدام حسين. ثلاثة كيانات، لكلّ منها مرشح تتمسك به. العلاقة في ما بينها يحكمها العداء والاختلاف في النهج إلى حدّ التناقض


إيلي شلهوب
حقيقة أن تسمية رئيس الوزراء المقبل للعراق قد باتت محصورة في إطار ما بات يعرف بـ«التحالف الوطني»، لا تعني أبداً أن تعقيدات هذا الملف قد تقلّصت، بل بالعكس. الأطراف الثلاثة المكوّنة لهذا التحالف مختلفة في ما بينها إلى حد التناقض في مصالحها ومطالبها وتحالفاتها، الداخلية منها والإقليمية، فضلاً عن تصلّبها لناحية محاولتها تحقيق أهدافها التكتيكية والاستراتيجية.
أمر واحد أحد يجمع في ما بينها: الحفاظ على وحدة الصف منعاً لضياع المكاسب. والحديث هنا ليس عن جاه ولا ثروة، ولا عن سلطة مطلوبة لنفسها، على قاعدة «الفن للفن». المقصود حصراً هو عدم العودة بالشيعة إلى عهد ما قبل سقوط صدام. إلى عقود، بل قرون، من القتل والتنكيل والاضطهاد والاعتقال والتعذيب والتهميش بحقهم. إلى أيام كان فيه هؤلاء مواطنين درجة ثانية محرومين من أبسط حقوقهم، حتى حقهم في الحياة.
إذاً وحدة الصف كانت الخلفية التي دفعت إلى اندماج «دولة القانون» مع «الائتلاف الوطني» في «التحالف الوطني». لكن هناك سبب آخر تقني، فرض هذه الوحدة الشكلية التي لم تنتج حتى اليوم أي مفاعيل عملية: الفذلكة الدستورية التي قالت بتعريف «الكتلة البرلمانية الأكبر»، تلك التي تدخل الجلسة الأولى لمجلس النواب، لا التي فازت بأكثرية الأصوات في الانتخابات.
كلّ من المكونات الثلاثة لهذ التحالف متسمك بمرشحه الذي لا يرتضي بديلاً له، كل لغاية في نفس يعقوب. «دولة القانون» مصرّ على نوري المالكي، و«المجلس الأعلى» متعلق بعادل عبد المهدي، بينما يدفع «التيار الصدري» بإبراهيم الجعفري من دون أن يتبنّاه علناً.

الاستمرارية للأقوى

أنصار المالكي يرفعون لواء الاستمرارية، واستكمال «التجربة» التي حققت «نجاحات» على المستوى الأمني، و«بدأت تُترجم» على الأرض على المستوى الإنمائي. يقولون إنه «الشخصية الشيعية الأقوى والأقدر». إنه «الأكثر نظافة واستقامة». «الأكثر شجاعة واستقلالية» عن الخارج. لا يرون للمالكي بديلاً، حتى داخل «دولة القانون»، بل وحزب الدعوة. يتعاملون مع مكوّنات «الائتلاف الوطني» على أنهم يمثلون الكتلة الشيعية الأكبر. يراهنون على عامل الوقت، وعلى تيئيس الآخرين، وفي مقدمتهم إياد علاوي. يعرضون الكثير من المغريات. وزارات ومناصب وامتيازات. يخوضون المعركة بأدواتها كلها، بكل ما تقتضيه السياسة من ألاعيب وصفقات تحت الطاولة وعلى جوانبها.

الأولوية لتبادل السلطة

في المقابل، فإن جماعة «المجلس الأعلى» ترفع شعار تبادل السلطة. تقول إن «مشكلة العراق هي في تلك الثقافة السائدة التي تؤبّد الحاكم وترى أن لا بديل له. تربط كل شيء به إلى الحدّ الذي ينهار البنيان كله مع انهياره، على ما حصل مع صدام. ثقافة لا بد من كسرها. يجب أن تتغيّر العقلية. لا إمكانية لبناء الدولة من دون تكريس ثقافة تداول السلطة». هذا «المبدأ هو الذي يحكم حركة المجلس»، على ما تفيد أوساطه، مشيرة إلى أن «قضية الأسماء تحتل المرتبة الأدنى».
وفي هذا الإطار، تقول مصادر «المجلس» إن «التجربة مع المالكي كانت مُرّة لا يمكن إعادتها»، مشيرة إلى «أننا لن نقبل حتى بأي شخص من حزب الدعوة. لقد تولّى الحكم مرتين. مرة مع الجعفري، الذي برهن أنه غير صالح للحكم، ومرة مع المالكي. يكفي هذا القدر». أما إياد علّاوي، تضيف المصادر نفسها، فـ«لا مشكلة شخصية معه. مشكلته أن لائحة العراقية تضم 14 شيعياً، ليس لديه منهم سوى 11، فبأي حق يطالب بحصة الشيعة في المنصب الأرفع بالدولة».
وتؤكد المصادر أن «المجلس الأعلى» «متمسّك بعادل عبد المهدي مرشحاً، ولو لم نحصل على أي منصب آخر في الدولة، وهذا فقط من أجل ضمان حصول تداول للسلطة»، موضحة أن نظام تولّي المناصب العليا في الدولة، من رئاسات ووزارت، يُصرف بعدد المقاعد البرلمانية، بمعنى أن لكل منصب ثمناً هو عبارة عن عدد من النواب. على سبيل المثال، رئاسة الوزراء ثمنها 20 نائباً، والوزارة الفلانية عدد آخر وما إلى ذلك.
يشار هنا إلى أن المجلس الأعلى كان يتنازعه تياران: الأول ينادي بعبد المهدي، فيما ينادي الآخر بباقر صولاج جبر الزبيدي. اختلاف في الرأي تؤكد مصادر مستقلة وثيقة الاطلاع أنه انتهى، حاولت أوساط المالكي الترويج له على أنه خلاف داخل آل الحكيم بين السيد عمار، الذي يريد عبد المهدي، وشقيقه السيد محسن الذي «كان له رأي مخالف».
وتقول مصادر وثيقة الاطلاع إن «لدى المجلس مرشحاً احتياطياً يمكن أن يفاجئ الجميع به في أي لحظة»، من دون أن تكشف عن هويته.

اللعب على التناقضات

أما التيار الصدري، فيعلن على الملأ أنه يلعب سياسة. يحاول تحقيق القدر الأكبر من المكاسب. هو بحاجة إلى وزارات خدمات لتعزيز شعبيته، لكنه يحاول في الوقت نفسه انتزاع رئاسة الحكومة. يريد الجعفري مرشحاً، لكنه لا يسميه رسمياً مرشحاً كي لا يُحسم من حصته الوزارية إذا حصل التوافق على الجعفري رئيساً للوزراء. يلعب لعبة التعطيل عبر رفض كل مرشح آخر يعرضه الآخرون، بحجج مختلفة، على أمل التوافق على الجعفري مرشح تسوية يتولى رئاسة الحكومة باسم «التحالف الوطني» وليس من حصته هو.
وتفيد مصادر قيادية في التيار بأن زعيم «المجلس الأعلى» السيد عمار الحكيم حاول تسويق عبد المهدي، في خلال لقاء عقده مع الصدر، من دون أن ينجح في ذلك. مصادر «المجلس» تؤكد حصول اللقاء، لكنها تتجنّب الحديث عما دار خلاله.
وفي إطار ألاعيبه السياسية، يحاول التيار الصدري الترويج لمعادلة تفيد بأن «كل مكسب للمالكي خسارة للمجلس»، معللاً مقولته هذه بأن المالكي جمع شعبيته من الفئة التي كانت تؤيد تقليدياً آل الحكيم، من دون أن يمسّ، في الجوهر، بشعبية آل الصدر. بل إنه استطاع أن يجذب عدداً من قادة «المجلس الأعلى» إلى صفوفه. لكنّ مصادر مستقلة وثيقة الاطلاع تؤكد أن المالكي أخذ شعبيته من الشريحة العائمة ومن العشائر الشيعية التي حاول تنظيمها على شاكلة الصحوات السنّية.
وتتساءل أوساط المالكي عن مدى التزام التيار الصدري بالجعفري واستعداده لأن يقاتل من أجله. تستدل بواقعة «رفض التيار إعطاء الجعفري مقعداً إضافياً لمصلحة فالح الفياض، هو الذي فاز في الانتخابات بـ102000 صوت، ما يعطيه الحق بحسب القانون بـ3 نواب».

تنازع دعم السيستاني

تروّج مصادر التيار الصدري أن المالكي يتلقّى «دعماً ضمنياً» من المرجع السيد علي السيستاني. أوساط المالكي تقول إن «السيد السيستاني، كمنصب، يؤكد أنه على مسافة واحدة من الجميع. لكنه كشخص يبدو واضحاً أنه ميّال إلى المالكي. يعتقد بأنه بدأ تجربة لم يستكملها بعد، إن من حيث الإنجازات الأمنية، أو من حيث مشاريع الإنماء التي بدأ بتنفيذها. يخشى السيستاني، على ما يبدو، ضياع كل ذلك مع انتقال السلطة إلى شخصية أخرى. يخشى العودة إلى نقطة الصفر».
مصادر مستقلة وثيقة الاطلاع تستبعد دعماً كهذا، مشيرة إلى أن السيستاني مستاء من كامل الطبقة السياسية الحاكمة لاعتبارات متعددة، تتقدمها إخفاقاتها في الاستجابة للمطالب الشعبية. مصادر «المجلس الأعلى» تنفي بالمطلق أي دعم للمالكي من قبل السيستاني، مشيرة إلى أن «التيار الصدري يحاول الترويج لخبر كهذا لسبب واحد، لكي يستطيعوا أن يقولوا، إذا فاز المالكي، إنه تمكّن من ذلك بدعم السيستاني لا بفعل قواه الذاتية».
ولم يكن ممكناً الاتصال بأي من مساعدي السيستاني في النجف لاستبيان حقيقة الوضع.وتتحدث ترجيحات كثيرة، بينها لمصادر في التيار الصدري، عن أن المخرج الأمثل سيكون بتولّي المالكي رئاسة الحكومة مقيَّداً: لائحة شروط يوافق عليها، على أن يحاصر بنواب يتولّون الملفات الرئيسة في حكومة لا يتمتع أيّ من أنصاره بأي حقيبة سيادية فيها.
لكنّ أوساط المالكي تؤكد أنه «لو كان المالكي قد وافق على القيود لما كانت هناك مشكلة من الأساس ولكانت الصفقة تمت منذ وقت طويل. المشكلة هي أن المالكي يقول للجميع إنه لا يعطي أحداً أي تعهد إلا الالتزام بالدستور والقوانين. كذلك يشدد على أنه لا يغطّي أحداً ولو كان ابنه، إذا ما ارتكب أفعالاً يعاقب عليها القضاء». وتوضح هذه المصادر أن «نقطة قوة المالكي أنه ليس رجل أحد. لا أحد يستطيع أن يقول إنه يتبع لي. أثبت أنه مع الجميع وضد كل من يتدخل في الشأن العراقي أياً يكن».

آلية اختيار مفخخة

في محاولة لتأطير خلافات البيت الشيعي، جرى التوافق على تأليف لجنة من 10 أشخاص يسمي المالكي خمسة منهم والائتلاف الخمسة الآخرين، تأخذ قرارتها بغالبية 80 في المئة لاختيار مرشح رئاسة الوزراء. حسابات المالكي كانت، على ما يبدو، أن كل مشاكله مع مكوّنات الائتلاف الموحّد يمكن حلها بترضيات سياسية هنا وامتيازات هناك وما إلى ذلك، ما عدا التيار الصدري. ويبدو أيضاً أنه رجّح أن حصة التيار من هذه اللجنة لن تتجاوز مقعداً واحداً على قاعدة أن الأربعة الباقية ستذهب إلى المكوّنات الأخرى مثل الفضيلة والمجلس الأعلى وإبراهيم الجعفري والمستقلين، فسار بها. لكن الائتلاف عاد وطلب توسيعها لتضم 14 شخصاً، بينهم 7 للائتلاف الوطني، تقول مصادر التيار الصدري إن له 4 منهم بحكم النظام الداخلي للائتلاف الذي ينص على توزيع الحصص بحسب نتائج الانتخابات.
هذه اللجنة لا تزال المرجع الصالح لاختيار مرشح «التحالف الوطني» لرئاسة الوزراء، رغم تأليف هيئة قيادية له. وفي تعليق لافت على المعلومات المتعلقة بخلافات بين المكونات الثلاثة الرئيسية لـ«التحالف الوطني» في شأن عدد الأشخاص الذين سيسمّيهم لرئاسة الوزراء (شخص واحد، أو اثنين أو أكثر يختار البرلمان واحداً من بينهم)، تُنبّه مصادر رفيعة المستوى في «المجلس الأعلى» إلى أنه «لا علاقة للبرلمان باختيار رئيس الوزراء. مجلس النواب ينتخب رئيساً له ورئيساً للجمهورية، الذي يسأل الكتلة البرلمانية الأكبر عن مرشحها لرئاسة الحكومة فيسميه. من غير المنطقي أن تقدم هذه الكتلة مرشحين أو أكثر وتقول لرئيس الجمهورية اختر واحداً من بينها، بمعنى أنها تعطي رئيس الجمهورية حق الخيار. البرلمان دوره الوحيد في ما يتعلق بهذا المنصب هو التصويت على الثقة للحكومة مجتمعة بعد تأليفها، وليس على رئيس الحكومة».

خريطة سياسية معدّلة


تتساءل أوساط المالكي عن مدى استعداد التيار الصدري للقتال من أجل الجعفري

«المجلس الأعلى»: تجربة المالكي كانت مرّة والجعفري لا يصلح للحكم
كل ذلك يجري في ظل خريطة سياسية تغيّرت ملامحها خلال الانتخابات الماضية، التي جعلت المجلس الأعلى القوة الثالثة بعدما كان في الطليعة، وجعلت نوري المالكي يتصدّر، هو الذي ينتمي إلى حزب صغير الحجم حكم طيلة الفترة الماضية، منذ أيام إبراهيم الجعفري، على ظهر القوى الشيعية الأخرى وفي مقدمتها التيار الصدري.
هزيمة «المجلس الأعلى»، اللافتة في واقعة مجرد حصولها، تعود بالأساس إلى غياب اثنين من قادته التاريخيين خلال بضع سنوات، أولاً مع استشهاد السيد محمد باقر الحكيم، ومن ثم وفاة السيد عبد العزيز، آخر أبناء السيد محسن الحكيم، بما يحمله هذا الأخير من وزن ديني وثقل معنوي، ليس لدى الشيعة فقط، بل لدى باقي العراقيين، وخاصة الأكراد الذين حماهم من بطش حزب البعث والتنكيل بهم يوم تسلّم هذا الأخير السلطة في عام 1969. وهو ما يفسّر هذا التعلّق العضوي للأكراد، وخاصة أتباع مسعود البرزاني، بالمجلس الأعلى.
اللافت أيضاً في هذه الهزيمة أن نتائج الانتخابات تظهر أن المجلس الأعلى حصل على أصوات (نحو 800 ألف صوت) تفوق بكثير ما حظي به التيار الصدري (نحو 600 ألف). مشكلته أنه ارتكب أخطاءً قاتلة في خلال خوضه العملية الاقتراعية، أبرزها تقديم ترشيحات كثيرة، ما جعل الأصوات تتوزع في ما بينها، وبالتالي أدى إلى خسارة الكثير منها. خلافاً للتيار الصدري الذي لعب اللعبة بحرفية متناهية، إذ قدّم عدداً من المرشحين يساوي توقعات فوزه إن لم يكن أقل، كما أنه منع أكثر من مرشح واحد من العمل في منطقة واحدة، ما أدى إلى تقليص إنفاقه وضمان فوز جميع مرشحيه في الانتخابات التي خيضت وفق النظام النسبي واللائحة المفتوحة.
مهما يكن من أمر، فإن هذه الخسارة فاقمت من حال التوتر المزمن بين المجلس وكل من المالكي والتيار الصدري اللذين باتا يتعاملان على أنهما أكثر أحقية بالكلمة الأولى، خلافاً للمرحلة التي كان فيها السيد عبد العزيز الحكيم صاحب الكلمة المطاعة لدى الجميع، لحيثيته العائلية والشعبية.


سنحسّن العلاقات إلّا مع إسرائيل

تعهّد رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي، بأن يحسّن «التحالف الوطني» الذي تألّف بين كتلتي «دولة القانون» و«الائتلاف الوطني الموحَّد»، العلاقات مع دول المنطقة، باستثناء إسرائيل. وقال المالكي، في مقابلة مع قناة «الحرة» التابعة للإدارة الأميركية، إنّ ما ورثه العراق من مشاكل مع إيران والكويت والسعودية وسوريا «كان بسبب سياسات النظام السابق». وعمّا إذا كان «التحالف الوطني» هو محاولة من الكتلتين لقطع الطريق على ائتلاف «العراقية» برئاسة إياد علّاوي، وحرمانه من تأليف الحكومة، أجاب: «القضية دستورية ولا تحتاج إلى كل هذا اللغط والإثارات». إلا أنه عاد وأشار إلى أنّ «الكتلة الكبيرة تألّفت الآن، وهي بذلك قطعت الطريق دستورياً على بقية القوائم»، واصفاً إصرار علّاوي على تأليف الحكومة بأنه «تمرّد على الدستور وتمرّد على القضاء». لكنّه طمأن، في الوقت نفسه، إلى أنّ الحكومة الجديدة «لن تتألّف إلا عبر مبدأ الشراكة الوطنية».



لقاء في حاضرة الإمام الرضا



غريب كيف يتحول الحب بغضاً والتحالف عداءً بهذه السرعة. هي حكاية نوري المالكي ومقتدى الصدر، الذي هدد ذات مرة بحرق الأخضر واليابس من أجل ضمان ترؤسه الحكومة، ها هو ينعته اليوم بـ«الكذب ونكث العهود»

في تبريرها لرفضها تولّي نوري المالكي رئاسة الحكومة، تؤكد مصادر قيادية في التيار الصدري أن المشكلة معه أكبر بكثير من «صولة الفرسان» التي يراها كثيرون سبب الخلاف مع السيد مقتدى الصدر الذي أعلنها جهارة في 2005، في سياق الصراع على رئاسة الوزراء مع «المجلس الأعلى»: إما المالكي أو يحترق العراق.
وتوضح المصادر نفسها أن «المشكلة أعمق بكثير. أصلاً لا شأن للصدريين بمعارك البصرة. كانت مشكلة بين المالكي والشعب توسّط فيها التيار». وتضيف أن «المشكلة ليست أيضاً شخصية»، بل محورها «نكث المالكي بوعوده، بدءاً من عدم تنفيذه لشروط التسوية في معارك البصرة، وصولاً إلى تعهده بأنه يفضّل قطع يده على توقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك تغطيته لمافيا من الفساد والسرقات في أجهزة الدولة ومؤسساتها».
وقدمت هذه المصادر مثالاً على ذلك (أكدت صحته مصادر مستقلة وثيقة الاطلاع) كاشفة عن أن المالكي، خلال زيارة إلى طهران قبيل انتخابات المحافظات، طلب لقاء الصدر الذي وافق «إرضاءً للإيرانيين». وقتها أبلغ الصدر المالكي، خلال اللقاء الذي جرى في حاضرة الإمام الرضا، «مشاكله معه وفي مقدمتها آلاف المعتقلين الصدريين، واتفقا على تأليف لجنة مشتركة مهمتها النظر في ملفات جميع المعتقلين بلا محاكمة والإفراج عمّن يثبت أن اعتقاله غير قانوني. بدأت هذه اللجنة عملها، وأطلقت في أولى جولاتها على محافظة واحدة أكثر من 430 معتقلاً. لكن ما إن اكتسح المالكي انتخابات المحافظات وقدّر أنه ما عاد بحاجة إلى التيار الصدري حتى أوقف عمل هذه اللجنة». أوساط المالكي تؤكد واقعة حصول اللقاء، لكنها تدافع عن عدم إطلاق المالكي للمعتقلين تحت عنوان أن هؤلاء «ليسوا معتقلين لدى القوات العراقية، بل لدى القوات الأميركية. كذلك فإن المالكي لا يستطيع تجاوز القانون والتدخل في شؤون القضاء الذي له الحق وحده في بتّ أمور كهذه».
في المقابل، تتحدث هذه الأوساط عن «أزمة تعصف بالصدريين. مشكلتهم مع المالكي تبدو مشكلة معنوية أكثر منها مشكلة أمنية. ما حصل أن التيار الصدري كان يسيطر على البصرة سيطرة كاملة، بواسطة مجموعة من المجرمين وقطّاع الطرق الذين كانوا يتغطّون بالتيار الصدري. شنّ المالكي هجوماً اعتقل في خلاله جميع هؤلاء. التيار الصدري تبرّأ منهم، ورأى أن المشكلة بين المالكي والناس. النتيجة كانت أن اكتسح المالكي البصرة في الانتخابات».
وفي السياق، تكشف مصادر التيار الصدري عن أن المالكي كان يرفض فكرة حكومة وحدة وطنية، ويصرّ على حكومة أكثرية مع معارضة تمثّلها «العراقية». لكنّ تعنّت التيار الصدري ورفضه أي تسوية معه دفع به إلى الحفاظ على شعرة معاوية مع جماعة علّاوي عبر تأكيد رغبته في حكومة وحدة.
الغريب في الطريقة التي يتحدث بها بعض قادة التيار الصدري عن المالكي وعن العوامل التي أدت إلى فوزه في الانتخابات: شخصيته القوية وخطابه الناري الذي لم يستثن أحداً، وماكينته الانتخابية والإعلامية الفعّالة، واستخدامه لأجهزة الدولة كلها، وركوبه حصان الأمن، فضلاً عن «الدعم الضمني الذي يتلقّاه من المرجع علي السيستاني» وعدائه (المالكي) للتيار الصدري.
عوامل الفوز وأسبابه هذه يعرضها مقرّبون من المالكي على الشكل الآتي: تعامل بروح وطنية فتعاطف معه المجتمع الذي قدم له الأمن، وتعامل مع جميع أطيافه بتوازن. ضرب المخربين السنّة والشيعة. لكنّ سرّ قوته يبقى صولة الفرسان. وقتها، «دخل المالكي بالحائط». قاد المعركة بنفسه، حوصر وكاد يُقتل، لكنه بقي صامداً وسيطر على الميناء، وأجبر الأميركيين على تقديم دعم جوي له خلافاً لإرادتهم، وذلك بعدما تدخل الرئيس الأميركي حينذاك جورج بوش شخصياً، فيما كان البريطانيون يقفون على الحياد. هناك أيضاً حادثة المؤتمر الصحافي مع بان كي مون. وقتها سقطت صواريخ قرب المقر، فانحنى الضيف الدولي وبقي المالكي منتصباً. العراقيون يحبّون القوة. وجدوا أن المالكي لا يهاب أحداً، هو الذي كان ينزل إلى الشارع ويجلس «على القهوة» مع الناس تحت القصف. بل أكثر من ذلك، لا يرحم حتى أقرب المقرّبين إليه إذا خالفوا القانون والدستور. والدليل ما فعله بالتيار الصدري الذي أتى به إلى السلطة. قال لهم إما التزام القانون وإما المواجهة، وهكذا كان بعدما فاوضهم لأكثر من سنة ونصف، أكد في خلالها أنه إذا كانت لديهم رغبة في المقاومة فليذهبوا ويقاوموا. المقاومة يجب أن تبقى سرية. لذلك، حصل المالكي على عدد من الأصوات في بغداد أكثر ممّا حصل عليه الصدريون في العراق كلّه.
في المقابل، فإن مصادر وثيقة المعرفة بالشأن العراقي تختصر عوامل فوز المالكي بواحد: إن العراقي ينتخب الحاكم.
إيلي...