الجزائر | أنهى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رسمياً، أمس، أسطورة الفريق محمد مدين (المعروف بالجنرال توفيق) الذي شغل قيادة المخابرات منذ 25 عاماً. وأكد بيان رسمي لرئاسة الجمهورية أن الرئيس بوتفليقة عيّن على رأس جهاز الأمن والاستعلام اللواء المتقاعد عثمان طرطاق الذي جرى تنصيبه رسمياً في وزارة الدفاع.


لم يكن زوال يوم أمس عادياً في الجزائر، فقد شهد قراراً تاريخياً بإقالة أحد أقوى رجالات النظام في الجزائر من منصبه. وجاء في البيان الصادر في وكالة الأنباء الرسمية، نقلاً عن رئاسة الجمهورية، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة «وضع حداً لمهام قائد مديرية الاستعلام والأمن، الفريق محمد مدين الذي أحيل على التقاعد». وأبرز بيان الرئاسة أن «رئيس الجمهورية عيّن السيد عثمان طرطاق، قائداً لمديرية الأمن والاستعلام»، خاتماً بأن «السيد عثمان طرطاق، اللواء المتقاعد، كان إلى غاية هذا اليوم (أمس) مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية. ومن قبل، تقلّد عدة مسؤوليات عليا في مصالح الأمن والاستعلام».
وتلى بيان الرئاسة بيانٌ لوزارة الدفاع الوطني أكد الخبر الأول، وهي المرة الأولى التي يعلن فيها خبر إنهاء مهمات قائد عسكري بهذه السرعة ويأتي التأكيد من مصدرين مختلفين. وأوضح بيان وزارة الدفاع أن الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، قام بتنصيب السيد عثمان طرطاق رئيساً لدائرة الاستعلام والأمن.
وأوضح البيان أن عملية التنصيب جاءت طبقاً «لتعليمات فخامة السيد رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني»، مشيراً إلى أنّ مراسم التنصيب جرت في الوزارة «بحضور إطارات وزارة الدفاع الوطني.
وكانت قد سبقت عملية إقالة الجنرال توفيق سلسلة تغييرات واسعة أجراها الرئيس بوتفليقة على مستوى المؤسسة العسكرية، كان آخرها إحالة قائد قوات الدرك الوطني، الجنرال محمد بوسطيلة، على التقاعد. وقبل ذلك، سحب الرئيس الجزائري من مديرية الاستعلام والأمن (المخابرات) مهمة الإشراف على «قوات التدخل السريع» المعروفة اختصاراً بـ«جي أي سي»، وألحقها بقيادة الأركان التي يشرف عليها الفريق قايد صالح ــ رجل ثقة الرئيس بوتفليقة في الجيش ونائبه على رأس وزارة الدفاع الوطني.
كذلك قام الرئيس بوتفليقة بإلحاق إدارات مركزية في الجيش، على غرار «أمن الجيش» و«دائرة الاتصالات» و«الأمن الرئاسي»، بقيادة الأركان، كذلك أُلحقت «مديرية الشرطة القضائية» (التي حققت في السابق في كبرى قضايا الفساد التي تورط فيها مقربون من الرئيس) بالقضاء العسكري عوضاً عن جهاز المخابرات. وقرر الرئيس أيضاً سحب كل ضباط المخابرات من الوزارات والأجهزة الإدارية المدنية في الدولة.
وبذلك لم يبق تحت تصرف الفريق محمد مدين (الجنرال توفيق)، وهو قائد المخابرات، سوى ثلاثة أجهزة كبرى هي «مكافحة التجسس» و«الاستخبارات الخارجية» و«كومندوس مكافحة الإرهاب»، الأمر الذي فهمه مراقبون للشأن السياسي والأمني في الجزائر تمهيداً لإحالة الجنرال توفيق على التقاعد وإزاحته من المنصب.
خلال الفترة الأخيرة، تحديداً منذ عامين، شاعت في الجزائر بقوة فرضية الصراع بين مؤسستي الرئاسة والمخابرات، وقيل إنّ أساسها كان مسألة ترشح بوتفليقة لولاية رابعة. ومن هذا المنطلق يجري تفسير القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس بوتفليقة لمحاولة التحكم في جهاز المخابرات وتطويعه. ويرتبط الأمر بحسب مراقبين بترتيبات ما بعد الرئيس بوتفليقة وباختيار خليفته. لكن قراءات أخرى تنفي تماماً وجود صراع في أعلى هرم السلطة (مثل ما ذهب إليه وزير الحكومة سابقاً مولود حمروش) وتؤكد أن كل القرارات المتخذة تتم بالتوافق بين بوتفليقة وتوفيق.


شاعت في الجزائر بقوة فرضية الصراع بين مؤسّستي الرئاسة والمخابرات

الجنرال توفيق: الرجل الذي لقّب بـ«رب الجزائر»
ولد محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق سنة 1939 في منطقة قنزات في ولاية سطيف، وترعرع في حي شعبي في الجزائر العاصمة. التحق بصفوف جيش التحرير الوطني إبان ثورة التحرر من المستعمر، وبعد الاستقلال تدرج في المسؤولية في المؤسسة العسكرية إلى أن وصل إلى منصب رئيس المخابرات الجزائرية في أيلول/ سبتمبر 1990.
التحق محمد مدين بعد الاستقلال بجهاز المخابرات العسكري، وتدرج في مختلف الرتب واستفاد من دورات تكوينية في الاتحاد السوفياتي آنذاك، وعيّن عام 1986 بعد عودته من منصبه مستشاراً عسكرياً في سفارة بلاده في ليبيا، لينصّب في الرئاسة كمدير لمديرية الدفاع والأمن في الهيئة ذاتها، ثم جاء تنصيبه عام 1990 على رأس مديرية الأمن والاستعلام أو ما يعرف بـ«الدياراس» في الجزائر.
شهدت فترة تولّي الجنرال توفيق جهاز المخابرات معركة استخباراتية واسعة للتصدي للجماعات الإرهابية التي كانت ترتكب المجازر في الجزائر. وكانت أخطر عملية إرهابية حصلت في عهده هي اغتيال الرئيس الراحل محمد بوضياف.
وفي أواخر التسعينيات، أجرى الجنرال إسماعيل العماري، الذي كان يعمل تحت إمرته، مفاوضات شاقة مع مدني مزراق، وهو أمير ما يسمى «الجيش الإسلامي للإنقاذ»، انتهت باستسلام الأخير وعناصره بين عامي 2000 و2001.
ورغم المساهمة في تخليص الجزائر نسبياً من الإرهاب، عرف جهاز المخابرات بعض العثرات، خاصة بعد هجمات عام 2007 التي لم يتمكن من إفشالها. ووجّه له سياسيون، أبرزهم عمار سعداني، أمين عام «جبهة التحرير الوطني»، عدة انتقادات، من بينها على سبيل المثال، الفشل في تأمين مصنع تيقتورين الذي تعرض لهجوم واسع عام 2013.
فترة 25 عاماً، جعلت من توفيق أسطورة في الجزائر، وجعلت البعض يصفه بالحاكم الفعلي للبلاد وبصانع الرؤساء، ومنهم من أطلق عليه وصف «رب الجزائر».