كانت إسرائيل أول من أعلن التدخل العسكري الروسي ــ الإيراني المباشر في سوريا. لم يقتصر ذلك على «الكشف الأول»، الذي تولته الجهات الإعلامية العبرية، بل انسحب ذلك لاحقاً أيضاً على المسؤولين الإسرائيليين والمصادر العسكرية الرفيعة في تل أبيب، مع مقاربة لافتة لهذا «التطور المقلق» بحسب تعبيرها، الذي من شأنه أن يؤثر بشكل جوهري في مسار التطورات الميدانية في الساحة السورية، وعبرها، على السياقات الإقليمية والدولية، بالاتجاه السلبي من ناحيتها.


بالطبع توجد مروحة واسعة من الأسئلة، مرتبطة بالموقف الإسرائيلي من هذا التطور الذي وصفته مصادر أمنية في تل أبيب بأنه «خطير» ومن شأنه أن يقلق الجيش الإسرائيلي ويحدّ من خياراته تجاه الساحتين السورية واللبنانية. إلا أنه بين الواقع المفضي إلى القلق، والخيارات الفعلية المتاحة للحؤول دونه، إمكانات قد تكون أكبر بكثير من قدرة إسرائيل على الفعل، خاصة في ظل تعقيد الوضع السوري.
في البداية، ينبغي التأكيد أن الصخب الإعلامي والسياسي في إسرائيل، بشأن الدعم العسكري الروسي والإيراني المباشر، وتحديداً ما يتعلق بإيران، لم يعد ذي صلة بالكباش الدائر حول الموقف من الاتفاق النووي مع إيران، خاصة بعد حسم مصير الاتفاق في الداخل الأميركي. وهذا التأكيد يأتي رغم أن الخطاب الإسرائيلي، وعن حق، يربط بين التطورات الأخيرة في المنطقة والاتفاق النووي، باعتباره محطة فاصلة في المعادلات الدولية والإقليمية. وهو ما عبَّر عنه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، خلال زيارته الأخيرة إلى بريطانيا، إذ ربط بين ما سمّاه استمرار إيران في «سياستها العدوانية والإرهاب ونشر قواتها في سوريا»، والاتفاق النووي، موضحاً أن طهران «باتت تشعر بأنها قادرة على القيام بذلك في ضوء هذا الاتفاق». من هذه الناحية تحديداً، ستواصل إسرائيل هذا الربط، لكن ليس على أساس إسقاط الاتفاق الذي بات محصّناً من السقوط، بل على خلفية «اليوم الذي يلي»، ودخوله حيّز التنفيذ، وتحديداً في ضوء التقديرات الإسرائيلية لمخاطر تداعياته غير النووية على المنطقة وميزان القوى فيها، ومن بينها إسرائيل.
إلا أن الاهتمام الإسرائيلي بالتطورات الأخيرة على الساحة السورية، يرتبط بالدرجة الأولى بتداعياته على مستقبل الصراع في سوريا وإمكاناته في التأثير السلبي أو الإيجابي، على الأمن القومي الإسرائيلي، وأيضاً على المعادلات الإقليمية التي تشكل إسرائيل أحد أطرافها. وبالتالي، فإن تزايد التصريحات والمواقف والتقارير العبرية، بشأن تزايد دعم موسكو وطهران للجيش السوري، بما يشمل حضوراً عسكرياً مباشراً لقوات روسية وإيرانية، هو انعكاس طبيعي لتطور خطير كهذا.
ينطوي الصخب الإسرائيلي على أكثر من رسالة، وجدت صداها في تل أبيب. فهو تعبير عن القلق من زيادة جرعة الدعم الروسي، وأيضاً في ارتفاع منسوب الدعم الإيراني، ما يشير إلى قرار روسي ــ إيراني بتعزيز قدرات الجيش السوري. ورغم أن الجانبين لم يمتنعا عن تقديم الدعم في الماضي، إلا أن الجديد الذي يبدو أقلق الإسرائيلي أنه منذ الاتفاق النووي في فيينا، تتوالى المؤشرات على ارتفاع مستوى التنسيق بين طهران وموسكو، بما في ذلك إزاء الساحة السورية. ومن أبرز تجليات هذا التنسيق، التقارير التي تحدثت عن زيارة قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني لموسكو.
ويبقى القلق الإسرائيلي الأكبر من تزايد الحضور الإيراني المباشر، والمدى الذي يمكن أن يبلغه، وهو ما يحرص الإسرائيلي على تسليط الضوء عليه في كل مناسبة، خوفاً من أن يتحول لاحقاً إلى خطر استراتيجي على الأمن الإسرائيلي. وفي هذا السياق يشن الإسرائيلي حملة سياسية وإعلامية يكرر فيها أن إيران تعمل على فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل من خلال هضبة الجولان.
أما ما الخيارات الإسرائيلية العملانية المضادة؟ فهو سؤال لا تخلو الإجابة عنه من تعقيد، شأنه شأن التعقيد نفسه في الساحة السورية، إذ إن «الخطة» الروسية ــ الإيرانية لمساعدة الجيش السوري بدت محكمة جداً، ليس لجهة مستواها ووسائلها القتالية وخططها الميدانية وحسب، والتي حاولت تل أبيب أن تكشف بعضاً منها، بل في توقيتها ومناسبتها وتزامنها مع فشل الخيارات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها في تحقيق انتصارات ميدانية حاسمة لحلفائهم على الأرض وتثمير ذلك سياسياً في دفع الروسي والإيراني إلى القبول بإسقاط الرئيس بشار الاسد، بالتراضي.
رغم ذلك، بدا أن الطرف الأميركي ومعه السعودي والتركي ما زالوا يراهنون على حشر الطرفين الروسي والإيراني، بهدف دفعهم إلى التنازل عن ثوابتهم السورية. وهو ما قد يعني لاحقاً المزيد من الهجمات «الأكثر خطورة» من خلال الجبهات الثلاث: الشمال، والجنوب، والاستفادة أيضاً من تقدم «داعش» من جهة الشرق. لكن القرار الروسي برفع مستوى الدعم، في ظل قرار إيراني حاسم بمنع إسقاط النظام وعلى رأسه الرئيس بشار الاسد، أتى ليوجه رسالة مضادة بأنهما لن يترددا في تقديم أي دعم يحول دون تحقيق هدف كهذا. وبالتالي يرمي هذا التطور إلى إسقاط الرهانات الغربية وبعض الدول العربية، على إمكانية صياغة تسوية تلبّي طموحاتهم السياسية في سوريا وعبرها.
على خط مواز، عبّرت إسرائيل حتى الآن عن أنها لن تتحرك إلا في حال تجاوز الخطوط الحمراء التي أعلنت عنها في الماضي: نقل سلاح كاسر للتوازن إلى حزب الله، أو شنّ عمليات ضدها انطلاقاً من الأراضي السورية. وقد تكون صادقة في ذلك، في هذه المرحلة تحديداً، حيث ما زالت الخطة الروسية الإيرانية في بداياتها، وإن بدأ الطرفان تنفيذها فعلياً.
لكن مع مرور الوقت، لا يمكن الجزم بشيء. صحيح أن مواجهة إسرائيل للجيش الروسي تعدّ ضرباً من الخيال، لكن الحضور الإيراني العسكري المباشر سيكون مدعاة للقلق في تل أبيب. وكيفما اتفق، فإسرائيل لا ترى، إلى الآن، أن هذا الدعم من شأنه أن يغيّر بشكل جذري موازين القوى، لكنه قد يؤدي إلى تكريس الواقع القائم، بما يحول دون تحقيق إسقاط الرئيس الاسد، ومن جهة أخرى، قد يشكل مدخلاً لارتفاع مستوى الحضور الإيراني، الأكثر إقلاقاً لإسرائيل.
ومع محدودية الخيارات الإسرائيلية العملانية بعيداً عن الخطة الأميركية العامة في الساحة السورية والإقليمية، يأتي الصراخ في تل أبيب كتعويض عن هذا القصور، ومحاولة استدراج الولايات المتحدة لضغط مضاد يهدف إلى كبح المستجد الروسي والإيراني في سوريا.