لليوم الثالث على التوالي، واصلت إسرائيل انتهاكها حرمة المسجد الأقصى، في محاولة منها لفرض حقائق جديدة على الأرض، من شأنها أن تطيح «الوضع القائم» في باحات المسجد، وفرض دخول الإسرائيليين إليه في أوقات حددتها يومياً، بما بات يعرف بالتقسيم الزمني للحرم بين المسلمين واليهود، وذلك توطئة للتقسيم المكاني، وربما أكثر، كما جرى في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، جنوبي الضفة المحتلة.


والخطة الإسرائيلية للاستيلاء على الأقصى وتهويده زمانياً، ولاحقاً مكانياً، ليست وليدة الساعة والأيام الأخيرة، بل بدأت فعلياً في منتصف العام الماضي، عبر إجراءات وقرارات اتخذتها الشرطة الإسرائيلية، بدفع من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي تحدث آنذاك عن «حق اليهود في زيارة المكان». لكن حرق الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير وقتله على أيدي المستوطنين، والاحتجاجات التي أعقبت ذلك في القدس والأراضي المحتلة، دفعت إسرائيل إلى تأجيل قرارها... على ما يبدو إلى الآن.
ولم يكن بإمكان تل أبيب فرض التقسيم الزماني في باحات الأقصى من دون إخراج المرابطين والمرابطات الفلسطينيين منه، وهم الذين يتصدون يومياً لكل محاولة لاقتحام المسجد، يقودها المستوطنون بحماية مكثفة من الشرطة. لذلك كان قرار وزير الأمن، موشيه يعلون، اعتبار المرابطين «جماعة خارجة عن القانون» تسعى إلى ما سمّاه «تنفيذ أعمال إرهابية». وقد ذكر يعلون أن المرابطين متورطون في «أعمال تحريض خطيرة ضد السياح والحجاج والمصلين اليهود»، الذين يريدون الوصول إلى «جبل الهيكل»، في إشارة منه إلى باحات الأقصى.
تبع ذلك التنفيذ الفعلي للقرار ومحاولة إخراج المرابطين من الأقصى، وفي الوقت نفسه تكثيف محاولات اقتحام المستوطنين باحاته، عبر توقيت زمني يومي، مع إقرار ساعات محددة صباحاً وخلال النهار مخصصة للمستوطنين، إضافة إلى إجراءات «وقائية» تمنع الفلسطينيين من دخول الحرم «حفاظاً على أمن المستوطنين». لكنّ المرابطين، وعموم المقدسيين، يتصدون للخطة الإسرائيلية بطريقة كانت أكبر من التقديرات الإسرائيلية، ما دفع العدو إلى زيادة جرعة اعتداءاته وتكثيف عديد قواته الأمنية ومحاولة فرض خططه بالقوة، الأمر الذي بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، خاصة أن أعمال التخريب وحرق المحتويات وصلت إلى حد غير مسبوق نسبياً، منذ محاولة حرق الأقصى وتدميره عام 1969.
بالطبع، فإن حملة الإدانات الدولية والعربية تبقى في نظر إسرائيل تصريحات، حتى إن صدرت عن الحليف المهم جداً، أي الأردن. ويمكن «بلع» هذه التصريحات ومعالجة تداعياتها لاحقاً، ما دام الثمن هو الاستيلاء الفعلي على الأقصى، وفرض «الحقائق اليهودية» فيه. لكن الثمن الذي لا يمكن لإسرائيل أن تتحمله، ومن شأنه أن يفرض عليها التراجع عن خطتها، حتى إن كان مؤقتاً، فهو حجم واتساع الاحتجاجات وأعمال الرفض في الشارع الفلسطيني، لأن تحرك الفلسطينيين المضاد هو المحك الذي يفرض خطوات العدو اللاحقة، في الاستمرار أو الانكباح، تجاه الأقصى.
وحتى مساء أمس، كانت إسرائيل تعبّر عن إصرار واضح في المضي قدماً في مخططاتها. فقد أعلنت الشرطة الإسرائيلية أنها عززت قواتها العاملة في القدس بمئات من العناصر، من دون تحديد مدة زمنية لهذا الإجراء الذي يؤشر على نية تصعيدية للأيام المقبلة، ربطاً بالظروف وتقديرات الوضع تباعاً.
وكان لافتاً في الأيام الثلاثة الماضية أن رواية إسرائيل لتصدّي الفلسطينيين لمخططاتها إزاء الأقصى حصرت في أنها «أعمال شغب» ينفذها فلسطينيون ضد يهود يريدون «السياحة أو الصلاة» في الأقصى، مع تركيز واضح على من سمّوهم «راشقي الحجارة»، باعتبارهم محرّكي «أعمال الشغب». وهو ما برز بوضوح في تصريحات ومواقف صدرت عن المسؤولين في تل أبيب.
على هذه الخلفية والرواية، ترأس بنيامين نتنياهو جلسة خاصة بمشاركة وزيري الأمن والداخلية والأجهزة الأمنية، هدفت إلى بحث السبل الكفيلة بحل «ظاهرة راشقي الحجارة والزجاجات الحارقة». وطالب نتنياهو بسنّ قانون خاص يجرّم هؤلاء بعقوبات حد أدنى، من شأنها أن تحدّ هذه الظاهرة كما سمّاها مكتبه الذي سرّب إلى الإعلام كلاماً منسوباً له يقول فيه إنه سيعتمد سياسة مشددة جداً ضد «مثيري الشغب» في القدس.
على الخلفية نفسها، أكد موشيه يعلون أنه لن يسمح بنجاح ما سمّاه «الإرهاب الشعبي»، بما يشمل «رشق الحجارة والزجاجات الحارقة ومحاولات الإخلال بالنظام العام». وقال يعلون إن «إسرائيل ستواجه هؤلاء الإرهابيين بكل الوسائل الموجودة في حوزتها...


ساهمت أحداث ما بعد مقتل أبو خضير في تأجيل نيّة إسرائيلية سابقة
سنستمر في ملاحقة الإرهابيين، ولن نتسامح مع أي شخص يهدد أمن مواطني إسرائيل».
كذلك وقف رئيس المعارضة في الكنيست ورئيس «المعسكر الصهيوني»، يتسحاق هرتسوغ، في الصف السياسي نفسه، قائلاً إن «القدس تشتعل منذ عدة أشهر، وهناك حرب دائرة في المدينة، وهي حرب سكاكين وعمليات دهس ورشق حجارة، وتقع على الحكومة معالجة هذا الأمر، ووضعه على رأس سلم الأولويات الوطنية».
أيضاً، فإن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي وعضو الكنيست، تسيبي حوتوفلي، طالبت بضرورة وضع حدّ «لقتل اليهود» في القدس، وأضافت أن «قتل يهود مرة أخرى خلال عيد رأس السنة العبرية، يعيدنا من جديد إلى الأيام المظلمة في التاريخ». وحثّت حوتوفلي وزير الأمن الداخلي، غلعاد اردان، على أن يأمر الشرطة بإعادة الأمن لسكان القدس (من اليهود)، لأنه «آن الأوان لإنهاء موجة العنف المتصاعدة في المدينة».
كذلك، أعربت تسيبي ليفني، وهي نائب في الكنيست عن «المعسكر الصهيوني» ووزير العدل في حكومة نتنياهو السابقة، عن دعمها للتشريع المتوقع بتشديد العقوبات ضد الأشخاص الذين يرشقون الحجارة والزجاجات الحارقة. وقالت ليفني: «يجب وقف هجمات كتلك التي حدثت خلال عطلة رأس السنة العبرية في القدس، وينبغي العمل ضد إرهاب الحجارة، تماماً كأي إرهاب آخر، بقوة وحزم».
في السياق، فإن آفي نعيم، وهو من كبار المشرفين على عمل المستوطنين في الضفة ورئيس مستوطنة «بيت اريا»، أكد في حديث إلى القناة السابعة العبرية، أن «القدس وجبل الهيكل (المسجد الأقصى) ليسا تحت سلطتنا، فدولة إسرائيل فشلت في فرض سلطتها على القدس... اليهود يقتلون ويرجمون ولا نقوم بشيء لمنع ذلك»، مضيفاً: «علينا نشر قوات من الجيش بشكل مكثف، وعلينا أن نضرب بيد من حديد ونطلق النار على مثيري الشغب، تماماً كما تفعل كل الدول في العالم، وعلى هذا القرار أن يتخذ فوراً، وفي زمن قصير جداً».