انتهت الأيام التي كان يحصي فيها جنود الرصد الميداني وقادة الوحدات في الجيش الإسرائيلي الدبابات وبطاريات المدفعية في الجهة السورية المعادية، وكانوا يبحثون، وفقاً لقائمة معدة سلفاً، عن مؤشرات تدل على تحضيرات لحرب. اليوم، بحسب الرؤية الإسرائيلية لجبهة الجولان، أصبح المشهد مختلفاً تماماً، سواء على مستوى هوية التهديد ومنشئه، أو على مستوى خطورته وطبيعته.


الوضع في الجولان كان محور الحلقة الثانية من سلسلة المقالات التي يعدها مراسل صحيفة «يديعوت أحرونوت» للشؤون الأمنية والاستراتيجة، رون بن يشاي، حول الجبهة الشمالية والتحولات التي شهدتها في ظل التغييرات الاستراتيجية في المنطقة. ووفقاً للكاتب، فإنّ الجيش الإسرائيلي، وخصوصاً ضباط الفرقة 210، المنتشرة في الجولان، يستخدمون عبارة «وضعية عدو مركبة» عندما يتحدثون عن الجولان، ويقصدون بذلك تعدد الجهات الناشطة هناك واختلاف ميولها وانتماءاتها. ولتوضيح الفكرة، فإنه «عوضاً عن احتلال الجولان، كما كان يخطط نظام (الرئيس بشار) الأسد، يتطلع الآن كل من (مرشد الثورة الايرانية السيد علي) خامنئي، و(قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم) سليماني، إلى إبادة إسرائيل عن طريق الاستنزاف المتواصل، عبر استخدام منظومة إرهابية وصاروخية من دون فواصل لاستنزاف سكان إسرائيل فيزيائياً ونفسياً ودفعهم إلى الهرب باتجاه أوروبا وأميركا اللاتينية. وإلى جانب هذا التهديد، يوجد أيضاً الإسلام الراديكالي السنّي، الذي يتطلع أيضاً إلى تدمير إسرائيل عبر معركة متواصلة، لكنه يؤجل تحقيق ذلك إلى ما بعد انتصاره على أعدائه الشيعة والحكام العرب العلمانيين، فضلاً عن أنه ليس كل المسلحين الموجودين في الجولان يعتبرون أعداءً».
ويشير الكاتب إلى أنه «من وجهة النظر الإسرائيلية، يوجد ثلاثة أنواع من الناس شرق السياج الحدودي في الجولان: الأعداء الفعليون، الأعداء المحتملون، وأولئك الذين هم شركاء محتملون. الأعداء الفعليون هم كل من ينتمي إلى المحور الشيعي الراديكالي بزعامة إيران: الجيش السوري، حزب الله، المنظمات الفلسطينية والميليشيات السورية، بما في ذلك المجموعات المسلحة التابعة للأقليات الموالية لنظام دمشق. الإيرانيون وحزب الله أعلنوا في نهاية عام 2014 الجولان كجبهة مقاومة نشطة ضد إسرائيل، وهم يعملون بما يتناسب مع هذا الإعلان. الجيش الإسرائيلي يعمل، في المقابل، على إحباط هذه النيات عن طريق الدفاع الفعال وكذلك عن طريق الردود العسكرية الردعية ضد أي محاولات لتنفيذ عمليات معادية».
أما الأعداء المحتملون، فهم كل «المنظمات والمجموعات التي تنتمي إلى الإسلام الراديكالي السني، أي تلك المصنفة ضمن السلفية الجهادية أو تؤيد الجهاد العالمي. بعض هؤلاء موجودون في الجولان، مثل جبهة النصرة، وهي الذراع السورية لتنظيم القاعدة، وكذلك منظمة شهداء اليرموك، التي تعمل تحت وصاية داعش». والقاسم المشترك، بحسب الكاتب، لدى جميع هذه الجماعات هو أنها «تعادي إسرائيل لكنها في الوقت نفسه تمتنع عن التحرش بها لاعتبارات تتصل بحساب الكلفة والجدوى. فهذه المجموعات لا تريد أن تتورط مع إسرائيل في الوقت الذي تقاتل فيه النظام السوري وحلفاءه، كذلك فإنها معنية بالمساعدات الإنسانية التي تمد إسرائيل بها سكان القرى الحدودية في الجولان، خصوصاً المساعدات الطبية للجرحى».


من وجهة النظر الإسرائيلية، يوجد ثلاثة أنواع من الناس شرق السياج الحدودي

الصنف الثالث، أي الشركاء المحتملين، هم، كما يشير بن يشاي، «سكان الجولان السوري غير المتورطين في القتال، أو الثوار العلمانيين، أتباع الجيش السوري الحر، ومجموعات مسلحة محلية وأبناء الطوائف الدرزية والمسيحية والشركسية». والشراكة مع هؤلاء تستند، وفقاً للكاتب، إلى «تقاطع مصالح ظرفي وليس إلى منظومة قيم مشتركة. فهذه المجموعات تعاني من ضائقة وجودية، وإذا لم تمد إسرائيل إليها يد المعونة الآن، فإنها لن تنسى ذلك عندما نحتاج إليها».
ويؤكد بن يشاي أن المصلحة الأمنية القومية لدولة إسرائيل توجب التطرق والعمل مقابل كل واحدة من هذه المجموعات بصورة مختلفة، في سياق تنفيذ مهمة الجيش الإسرائيلي في الجولان التي هي «إحباط العمليات وردع الأعداء، لكن في الوقت نفسه منع الحرب أو تأجيلها لأطول فترة ممكنة».
ويكشف بن يشاي أنه «وفقاً للنظرية الأمنية المعتمدة حالياً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والتي تبنّاها وزير الأمن موشيه يعالون، ورئيس الأركان غادي آيزنكوت، فإن من المحظور الإنجرار إلى حرب جراء احتكاك أو حادث ميداني يخرج عن السيطرة يكون المتورطون فيه جهات لا تقاتلنا حالياً، أو جراء تعقد الأمور مع الإيرانيين وحلفائهم بسبب خطأ كل طرف في قراءة نيات الطرف الآخر». لكن من جهة أخرى، «يجب العمل على إحباط العمليات الإرهابية وإطلاق الصواريخ، كذلك فإن من الممنوع أن تمر محاولات تنفيذ العمليات ضدنا من دون أي ردّ يستهدف بشكل مباشر المنفذين ويدفّعهم ثمناً باهظاً بصورة تؤدي إلى ردعهم عن عمليات محتملة ضدنا في المستقبل، لكن من دون أي يؤدي هذا الرد إلى اشتعال كبير».

منظومة استخبارية معقدة

ويلفت إلى أنه من أجل السير على هذا الحبل الدقيق وتحقيق النجاعة المطلوبة والعمل بالجرعات المناسبة وفي المكان والزمان المناسبين، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى التركيز على بناء ونشر منظومة استخبارية شديدة التعقيد في الجولان. «منظومة من النوع الذي يعرف كيف يحقق الردع وإحباط العمليات بشكل استباقي، سواء على المستوى الاستراتيجي أو المحلي، وكذلك يعرف كيف يشخص أو يعطي تقديراً علمياً حول مكان انطلاق العملية أو النيران، والجهة المنفذة وأهدافها».
«فمن حيث المبدأ، ليس كل الجهات المسلحة في الجولان، ولا حتى الإسلاميين، هم في خانة الأعداء. لكن إذا اقترب داعش من الحدود، حتى لو لم يكن ينوي العمل ضدنا، فإن الجيش الإسرائيلي ملزم بمعرفة ذلك والاستعداد له. ومن أجل تحقيق هذا الاستعداد والقدرة على العمل بسرعة، يجب على الجيش معرفة تفاصيل تفاصيل المجموعات العاملة في الجهة المقابلة»، يضيف.
وهذه المنظومة الاستخبارية، بحسب الكاتب، مؤلفة من جهات كثيرة، وعلى رأسها وحدات الجمع الحربي، التي كانت في السابق تسمى الاستخبارات الميدانية، وبسبب أهميتها تحولت اليوم إلى سلاح قائم بحد ذاته، وتم فصله عن شعبة الاستخبارات وإلحاقه بقيادة القوات البرية. وتشمل وحدات هذا السلاح طواقم راجلة تستخدم آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا في عالم الرصد، إضافة إلى طواقم محمولة وأخرى طائرة مهمتها الانتشار على الحدود ورصد كل ما يحصل ونقل الصورة إلى دوائر صناعة القرار في الخلف. كذلك يشتمل هذا السلاح على المجندات العاملات على شاشات المراقبة في غرف الجمع الاستخباري، وأفراد مهمتهم تشغيل أنواع مختلفة من الحساسات في أماكن مختلفة من أجل الوقوف على نيات العدو وإجراءاته.