انتهت آمال عائلة محمد النمر بخلاص ابنهم علي وخروجه من السجن مع إصدار المحكمة العليا قراراً مؤيداً لحكم الإعدام الصادر بحق علي (20 عاماً)، بعد خضوعه لمحاكمة سرية منع فيها من الاستعانة بمحامٍ يدافع عن ابن السابعة عشرة لحظة اعتقاله.


الحكم النهائي حسب وصف العائلة جاء «نكاية» بهم، خاصة حين نعرف أن المحكوم عليه هو ابن شقيق الشيخ نمر النمر، المعارض لحكم آل سعود، المحكوم هو الآخر بالإعدام. وفيما أثار الحكم حالة من الغضب الشعبي، تخوف حقوقيون من إقدام السلطات السعودية على إعدام النمر في غضون أيام قليلة.
وما يعزز نظرية الانتقام من العائلة غياب أي تبرير من السلطات السعودية لعفوها عن إرهابيين منتمين إلى تنظيم «داعش» و«القاعدة»، فيما تطارد بلا هوادة النشطاء على خلفية الحراك المطلبي السلمي.
الثُّغَر القانونية والشرعية المحيطة بالقضية والتهم الـ14 الموجهة إلى النمر (اعتقل في 15 شباط 2012)، أوضحتها العائلة في عدة تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي. الأب والناشط محمد النمر وأم علي وشقيقه باقر، تصدوا خلال الأيام الماضية، لتوضيح مجريات التحقيق، مع الطفل علي الذي أدخل إلى دار الملاحظة في الدمام لحظة اعتقاله، عاد معها لإكمال دراسته الثانوية لسنتين، قبل أن يُنقَل إلى سجن المباحث ويتوقف مشواره المدرسي.
التحول الأبرز في محاكمة علي أنها لم تكن سرية كما أرادت السلطة، إذ واكب الوالد محمد النمر عبر صفحته على «تويتر»، مجريات التحقيق وما تبعه تحت قوس العدالة المسخرة لتنفيذ أحكام معلبة ومختومة من وزارة داخلية محمد بن نايف.
الطفل الذي اعتُقل عبر دهسه بواسطة سيارات مكافحة الشغب، لاحق والده كشف طرق تلفيق التهم لعلي خلال الاستجواب، وكيف كتب المحقق بيده الأسئلة والأجوبة، وبالقلم نفسه أجبر الفتى التوقيع على ورقة اعترافاته. ليقف بعدها المحقق بكل وقاحة أمام القاضي معتذراً من سوء خط المتهم خلال إحدى جلسات المحاكمة الهزلية التي ضمن فيها الجلاد ساحة اللعبة القضائية لمصلحته.


لاحق والده كشف
طرق تلفيق التهم وكيف كتب المحقق بيده الأسئلة والأجوبة

باقر النمر شقيق المعتقل علي، نقل لـ«الأخبار» استغراب العائلة من الحكم، رغم توقعهم ذلك بسبب الحكم المبدئي. يقول باقر: «توقعنا من المحكمة العليا أن تطعن الحكم الجائر، ولكن للأسف لم يتغير شيء. أخي في البدء مظلوم والله سبحانه وتعالى لن ينساه، وإن أعدم فالله أرحم الراحمين». وأكد باقر أن العائلة ستستمر في الإجراءات القضائية بضرورة مراجعة القضية وعدم القبول بالحكم النهائي.
وكان باقر قد كتب قبل فترة من الحكم في مدونة، ما جرى بعد اعتقال علي بثلاثة أشهر. يقول: «زارت والدتي أخي علي في (دار الأحداث) في الدمام، وكل ما رأته الوالدة المفجوعة كان وجهاً مليئاً بالكدمات، إضافة إلى فقدان علي عدداً من أسنانه وكسر في أنفه، وكان يعاني من مشاكل في المسالك البولية وقال لوالدتي إنه ينزف دم أثناء التبول»، وبالرغم من شكوى الأم لم يعرض ابنها على طبيب حتى آخر يوم له في دار «الملاحظة».
خضع علي بعدها لجلسات سرية لم يحضرها والده محمد ولا محامي المتهم نفسه، لتنقل صحف النظام في اليوم التالي مجريات الجلسة والنطق بالحكم الابتدائي بحق علي النمر.
باقر الذي يدرس في إحدى الجامعات الأميركية، لم يمنعه غيابه الجغرافي من أن يتحدث عن معرفة شخصية وقريبة حول مجريات محاكمة شقيقه علي، وهو الحريص أيضاً على توثيق مآخذه على الصحف الحكومية التي تنشر عبرها وزارة الداخلية بياناتها الأمنية.
أراد النظام السعودي أن يكون القاضي والحكم في قضية النمر، لفق له التهم التعسفية بعد جلسات التحقيق والتعذيب، غيب العدالة وهو الذي يدعي تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن يومها سقطت «شريعة» الحاكم وشرعية المحاكمة.
أرادت السلطة من طريق طاقمها القضائي الممسك بخيوط القضية، الاستمرار في مسرحيته الهزلية، مورس كل ما يمكن أن يخطر في بال معذبي السجون والتحقيقات في سبيل الإيقاع بابن السابعة عشرة.
المحاكمة المخالفة للأعراف والقوانين الدولية، حسب متابعين، لم تقف عند منع علي من التواصل مع محاميه طوال جلسات المحاكمة القليلة أصلاً مقارنة بكثرة عدد التهم الملفقة للنمر. ولا طلب المدعي العام تنفيذ حد الحرابة بالمتهم المغيب عن محكمته قسراً، لم يفصل القاضي في خلفية القرار ـ الطفل ينتمي إلى عائلة مشاغبة وسيرة عمه الشيخ نمر النمر تشهد بها ساحة المحاكم حتى اليوم. لتجيء جلسة النطق بالحكم الأخيرة والتي أقرّ فيها حكم الإعدام على أيدي ثلاثة قضاة، في محاكمة سقطت قانونياً وشرعياً وأخلاقياً، حسب تصريح العائلة التي لا ترى في مجموع التهم ضد ابنها ما يجعلها مساوية لحياته.
حوى ملف علي النمر الاتهامي الانضمام إلى خلية إرهابية للعمل على تحريض الناس على التظاهر وإثارة الفتنة. وهي تهم فضفاضة وجاهزة لكل من يخرج عن محرمات الدولة السعودية. تقابلها أحكام قراقوشية ضد مطالبات أقلية مسلوبة الحقوق، توصم بالإرهاب عند كل تحرك، سلطة نكلت بنشطاء حراك الشرقية ورموزها، اعتقلت وحاكمت المئات، يساعدها في ذلك رأي عام طائفي مطالب بـ«عواصف حزم» ملكية ضد المشروع الإيراني المتخيل، الذي يُطارد الآن في القطيف والأحساء، واليمن والبحرين سوريا.