يأتي الاعتداء الإسرائيلي على المسجد الأقصى امتداداً لسياسة العدوان في فلسطين المحتلة، التي تأخذ عدة أساليب، من الاستيطان إلى هدم البيوت ومصادر الأراضي والاعتقالات وسياسة التهويد. مع ذلك، تتسم الاعتداءات على الأقصى بكونها ترجمة لخلفيات وأيديولوجيات، لا يختلف فيها العلماني الصهيوني عن المتدين الصهيوني.


بدت إسرائيل في خطواتها الأخيرة كأنها انتقلت إلى مرحلة جديدة بعدما حقق اتفاق أوسلو هدفه الإسرائيلي، وفي النهاية لا يختلف كثيراً ما تحاول الآن فرضه في القدس والضفة المحتلة، وبين نظرتها إلى الصيغة الدائمة لما يسمى «الحل النهائي». في هذا المجال، بلغت إسرائيل مرحلة متقدمة جداً على مستوى التغيير الجغرافي والديمغرافي في القدس، بل أنتجت واقعاً يصعب العودة عنه، من جهة تمحور الحدود بين شرقي المدينة وغربها.
أيضاً، في الضفة، تدير السلطة الشؤون المدنية لغالبية الفلسطينيين في التجمعات السكانية الكبيرة، أي مناطق (A و B)، فيما تسيطر إسرائيل على بقية مناطق C، خاصة بعدما نقلت عبء وفاتورة إدارة المناطق الفلسطينية إلى الدول المانحة، بل باتت السلطة مسؤولة أمامها عن فرض الأمن ومنع أي محاولة استهداف للمستوطنين والجنود المحتلين، ولا يخفى أن رام الله تقوم بالحد الأقصى من الجهد وتحقق نتائج «مذهلة» في هذا المجال.


وصل الأمر بنتنياهو
إلى الإعلان عن فرصة
لعقد تحالفات مع دول عربية خليجية

لكن الأهم أن الأداء العملاني الإسرائيلي لا يحدث في الفراغ، ولا يصح حصر ربطه بحسابات سياسية داخلية أو اعتبارات حزبية فقط، بل يأتي في ظل إجماع جديد في إسرائيل يتعلق بالقضية الفلسطينية. وأبرز تجلٍّ لهذه الحقيقة أن القضايا المتفرعة على القضايا الفلسطينية لم تعد تقسّم المجتمع الإسرائيلي، أو على الأقل لا تشكل انقساماً حاداً فيه.
أما ما يجري في الأقصى الآن، فليس سوى ترجمة لسياسة عدوانية مدروسة الأهداف تنطلق من رؤية محددة إلى الواقع الإقليمي والدولي، لذا لا يمكن فصلها عن البيئة الاستراتيجية وما تنطوي عليه من تهديدات وفرص. ومن أبرز العوامل التي شجعت إسرائيل على هذه الخطوات، أن الثمن الأمني الذي تدفعه بات يمكن التعايش معه، وخاصة عندما لم تتحرك الضفة في ذروة المجازر التي ارتكبها جيش العدو في غزة السنة الماضية، والأمر نفسه ينسحب على الثمن الأمني الذي قد يدفع من جهة غزة، في ظل معادلة الردع القائمة، وظروف القطاع المعروفة.
كذلك لم تخف إسرائيل نظرتها إلى انهيار النظام العربي القديم، وما ينطوي عليه من تهديدات وفرص بالنسبة إليها. مع ذلك، لا تزال المنطقة العربية تمرّ بحالة مخاض عسيرة لا يبدو أنها سترسو في المدى المنظور على صيغة نهائية.
في ظل هذا الواقع، الذي تنشغل فيه الشعوب والأنظمة بأولويات وقضايا أبعد ما تكون عن قضية فلسطين وشعبها، تجد إسرائيل فيه فرصاً كثيرة لفرض وقائع جديدة، على أمل أن تصبح نهائية، ثم مواصلة تزخيم سياسة التسويف في عملية التسوية، خاصة أن تل أبيب باتت تتمسك الآن بنظرية غياب ثقتها في قدرة الأنظمة العربية على حماية أي اتفاقية تتوصل إليها مع السلطة، حتى تنسحب بموجبها من الضفة، التي تشكل عمقاً استراتيجياً من منظور أمن قومي إسرائيلي.
وبرغم كل الانتقادات التي قد توجهها الدول العظمى إلى السياسة الإسرائيلية، ومنها ما أخذ شكل «التعبير عن القلق» وآخر يتحدث عن استخدام قوة مفرطة وغير تناسبية، فإن الواقع أنه لا توجد نيات أميركية أو أوروبية جدية للضغط على إسرائيل. ضمن الإطار نفسه، تبرز حقيقة أن المعادلة التي كانت مطروحة على إسرائيل خلال التسعينيات، وهي أنه من أجل الدخول في السوق العالمية وتجنيد الاستثمارات وإنهاء المقاطعة العربية فإن عليها عقد اتفاقات سلام، ليست قائمة، فهي الآن باتت جزءاً من الاقتصاد العالمي دون الحصول على بطاقة الدخول (التسوية النهائية مع الفلسطينيين)، بل وصل الأمر برئيس حكومة العدو، نتنياهو، إلى الإعلان مراراً عن وجود فرصة لعقد تحالفات مع دول عربية خليجية، من دون دفع أثمان تتصل بالقضية الفلسطينية، وذلك على خلفية «المصالح المشتركة القائمة على مواجهة التهديدات المشتركة» بين الطرفين. ويوم أمس، قال نتنياهو إنهم سيذهبون إلى «تشديد العقوبات بحق راشقي الحجارة في مجالات عدة»، كذلك «سيُبحَث تعديل قواعد الاشتباك». وأضاف: «ستفرض غرامات كبيرة على القاصرين الذين يرتكبون مثل هذه التجاوزات وعلى أهاليهم»، لأنه «عشية العام (اليهودي) الجديد ثبت مجدداً أن الحجارة يمكن أن تقتل». وأعلن مرة أخرى أن «إسرائيل تتمسك بالوضع القائم في جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، ولكنها لن تسمح لمثيري الشغب بمنع زيارات (اقتحامات) يهود للموقع».
في سياق آخر لا يقل إشكالية عن موضوع الأقصى، أفادت مؤسسة «مهجة القدس، بأنّ العدو تنصل من تعهداته بالإفراج عن الأسير محمد علان، الذي أضرب أخيراً نحو شهرين عن الطعام.
وقالت إن جهاز المخابرات الإسرائيلي، أخبر محامي علان أنه سيكمل أمر الاعتقال الإداري الصادر بحق علان، بعدما علقته «المحكمة العليا الإسرائيلية» نظراً إلى خطورة وضع علان الصحي، الذي يبدو أنه تحسن وهو ما دفع إلى تجديد أمر الإداري بحقه، مع أنه كان من المقرر أن ينتهي في الرابع من تشرين الثاني المقبل.
وقالت مصادر صحافية إن علان أعلن إضرابه مجدداً، بعد وقت قصير من إعادة اعتقاله إدارياً.