للوهلة الأولى توحي مفردات «الإرهاب» و«الردع» و«الحرب»، التي استخدمها رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، لتوصيف مواجهة الفتية الفلسطينيين من رماة الحجارة، كأنه يطلق مواقفه من غرفة عمليات تدير حرباً يستخدم فيها سلاح الجو والدبابات والمدفعية في مواجهة المقاومة التي تقصف المدن والمستوطنات الإسرائيلية بالصواريخ.


فبعد تعهده فرض غرامات على القاصرين وعائلاتهم من أجل إنتاج «ردع شديد» وإعلانه «الحرب ضد من يلقون الحجارة والزجاجات»، وصف نتنياهو الفتية الذين يواجهون قوات العدو واعتداءات المستوطنين بما توافر لديهم من حجارة وزجاجات حارقة، بأنهم «إرهابيون بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى».
لم تجر هذه المفردات على لسان نتنياهو بصورة عرضية، بل بعد مشاورات ومباحثات أجراها مع القيادتين السياسية والأمنية، لذلك هي تعابير مدروسة وهادفة، تعكس خلفية ثقافية وسياسية للطبقة السياسية في تل أبيب، بل مجمل المجتمع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتختزل الكثير من الخطوط المتصلة بحركة الصراع الدائر على أرض فلسطين.
عندما يتهم نتنياهو بالإرهاب من يطلق صاروخا على المستوطنات ردا على اعتداءات سلاح الجو، أو من يزرع عبوة من أجل تحرير أرضه ليفجر بها دبابة دفاع، وكذلك يفعل مع من يرمي حجراً ضد قوات عسكرية أو قطعان مستوطنين مدججين بالسلاح ويحاولون اقتحام المسجد الأقصى، فإن ذلك كله يعني أن هذه الاتهامات لم تكن بسبب الأدوات التي يستخدمونها. ولا النتائج التي يحققونها أو الأهداف التي يقصدونها، بل لكونهم يرفضون الاحتلال ويقفون بوجه الاعتداءات بغض النظر عن أداة التعبير أكانت حجراً صغيراً، أو صوتاً لمرابط يدوي غضباً.
ويدرك نتنياهو أن وسم صفة الإرهاب بالفتية الفلسطينيين، ينطوي على لوازم قانونية وإجرائية وأمنية. لذلك فإنه يقصد كل هذه المفاعيل الهادفة إلى إتمام دائرة الردع بغرض إخماد الثورة الكامنة في نفوس الشعب الفلسطيني، الذي تتآمر عليه أنظمة وقوى ومؤسسات عريبة ودولية.
وفي مقابل الصواريخ والعبوات، تعمد جيش العدو اتباع إستراتيجية تدفيع الثمن للجمهور المدني الحاضن للمقاومين، وما ذلك إلا نتيجة إقراره بفشله في تطويع إرادة المقاومة وتدمير قدراتها، رغم ما يتمتع به من تفوق نوعي وكمي، كما ظهر في مواجهة المقاومة في لبنان وفلسطين، لكن يبدو أن العدو تأكد لديه مرة أخرى أن الإنسان الفلسطيني يتفوق عليه بقوة الإرادة، وهو ما تجلى في إبداع أساليب المقاومة والانتفاضة من مرحلة إلى أخرى، كل وفق الظروف والإمكانات.
هذا ما يدفع قادة تل أبيب إلى وضع إستراتيجية مضادة للحراك الشعبي الفلسطيني، من تدمير البيوت، إلى استخدام القناصات، والاعتقالات التعسفية وزج الفلسطينيين في السجون... في مواجهة أبسط وأدنى أساليب الرفض.


قُسمت القدس إلى 9 مناطق أمنية فضلاً عن نشر 800 جندي إضافي

من الواضح أن هذا المستوى من الطغيان لا يرمي فقط إلى ردع الفلسطيني عن الفعل المقاوم، بل إلى كيّ وعيه حتى لا يفكر في اللجوء إلى أدنى وسائل التعبير عن الاحتجاج. وسيبقى العدوان الإسرائيلي مستمرا ما دام الفلسطيني يرفض الاحتلال أو الرضا بالقدر الإسرائيلي، وهكذا سيبقى الإنسان الفلسطيني، من منظور أمني إسرائيلي، مصدر تهديد فعلي أو كامن.
يوم أمس، وافق المجلس الوزاري المصغر على خطة العقاب الجماعي في ملاحقة المقدسيين بجباية مكثفة للديون، كجزء من الضغط على الواقع الاجتماعي المقدسي. ولا يخفي قادة العدو وأجهزته حقيقة أن الهدف من الخطة العقاب الجماعي للسكان لإضعاف الحاضنة الشعبية للنشاطات الاحتجاجية على الاعتداءات الإسرائيلية المتعددة.
أمنياً، وبموجب الخطة الجديدة، جرى تقسيم المدينة إلى تسع مناطق يكون المسؤول عن كل منطقة ضابط في الشرطة برتبة عميد، بالاضافة إلى نشر 800 جندي إضافي، وبين 70 إلى 80 جندي حرس حدود في كل منطقة من المناطق.
وفي محاولة لاحتواء مفاعيل الاعتداءات الإسرائيلية، ذكرت صحيفة «هآرتس» أن تل أبيب أرسلت في الأيام الأخيرة رسائل طمأنة إلى الأردن، بعضها مباشر وبعضها عبر الإدارة الأميركية، حول الأحداث في الحرم المقدسي. وأوضح مسؤولون كبار، وفق الصحيفة، أن إسرائيل أكدت أنها لا تنوي إجراء أي تغيير في «الوضع الراهن في الحرم القدسي»، وأن «جهات في السلطة الفلسطينية تبث أكاذيب في هذا الشأن».
وكان الأردن قد أعاد، بعد التصعيد في الأقصى، خلال العام الماضي، سفيره إلى عمان، ولكن جرت إعادته إلى إسرائيل بعد أشهر طويلة. وترغب إسرائيل حالياً في الحؤول دون سحب السفير مرة أخرى. وقالت مصادر إسرائيلية إنه جرى تحويل رسائل مباشرة من وزارة الخارجية ومستشار رئيس الحكومة، يتسحاق مولخو، المسؤول عن العلاقات مع الأردن، وتربطه علاقات قوية بوزير الخارجية ناصر جودة.