عدن ــ الأخبار

عاد رئيس الحكومة المستقيلة، خالد بحاح، ومعه سبعة من وزراء حكومته إلى عدن، أول من أمس، حيث «استقبله» ملثمو المجموعات المتطرفة بإحراق كنيسة القديس جوزيف الكاثوليكية في قلب مدينة عدن القديمة (كريتر)، أحد أهم معالم ميناء عدن الدالة على روح التعايش بين مكوناتها المتعددة.

وإذا كان التزامن بين العودة والجريمة مقصوداً، أو محض مصادفة، فهو يوجه رسالة قوية إلى الحكومة ورئيسها ساعة وصوله من بعض أصحاب السيطرة الحقيقية على المدينة، مفادها: إياكم ومغبة محاربتنا أو محاولة انتزاع عدن منا.
حين وصل بحاح إلى عدن، كان قد مر شهران على سيطرة قوات التحالف على عدن. في 14 تموز الماضي، أعلن بعض أنصار الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي احتمال عودته مع الحكومة لأداء صلاة عيد الفطر فيها، إيذاناً بالبدء بتطبيع حياة الناس ومعالجة قضايا الأمن والخدمات الأساسية والجرحى والنازحين. شهران لم يعد خلالهما الرئيس ولا الحكومة ولا عاد الأمن، ولم يبدُ في المدينة أي مظهر من مظاهر وجود الدولة. ولا تزال الاختناقات الحادة في الكهرباء والمياه والوقود والغاز المنزلي والمرتبات أبعد بكثير عن الحد الأدنى الذي يجعل حياة الناس «طبيعية».
لم تشهد عدن أخيراً إلا انتشار «القاعدة» وأخواته من التنظيمات المتطرفة وتفشي ثقافتها ونفوذ أمرائها. ويجري حالياً ترسيخ حضور تلك التنظيمات في مجتمع المدينة وحياتها العامة التي تعيش انفلاتاً أمنياً غير مسبوق. وهو الوضع المثالي الذي يتيح لتلك الجماعات على اختلاف مرجعياتها وغاياتها بسط سيطرتها على مناطق مختلفة (وليس في حي التواهي فقط كما يشاع).
ينظر كثيرون إلى الانفلات الأمني بارتياب حقيقي معتقدين أنها متعمدة لغرض غير مفهوم. أما تجلياتها فتأخذ أشكالاً مختلفة، منها: الاغتيالات المتكررة التي غدت ظاهرة وليست حالات فردية كما يقول بعض المسؤولين، ويرتكبها عادةً ملثمون يستقلون دراجات نارية أو سيارات كتلك التي طالت مدير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة السابق في عدن، إبراهيم علي هيثم، يوم 14 من الشهر الجاري. إلى جانب الاشتباكات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي تنشب بين الحين والآخر لأسباب سياسية أو متعلقة بفرض النفوذ، أو حتى لمجرد الكسب بدعوى حماية بعض المرافق أو السيطرة على أراض جديدة. يجري ذلك بين مسلحين بينهم من يتبع التنظيمات المتشددة أو «المقاومة الجنوبية».


يسود شعور لدى عامة الناس في عدن بأن صراعاً مسلحاً يتهيأ للاندلاع
كذلك، شهدت عدن أخيراً تفجيرات في مؤسسات أمنية أو أضرحة تاريخية لأولياء الصوفية أو هدم زواياها بدعوى «الضلالة والبدع»، إلى جانب التعدي المتكرر على مدافن وكنائس مسيحية. أضف الى ذلك، الاستيلاء على عقارات عامة أو خاصة، ونهب سيارات منظمات وأفراد وسائقي أجرة تقطعاً أو احتيالاً وتحت تهديد السلاح.
ويقع الكثير من أقسام الشرطة تحت سيطرة مسلحين تابعين لـ «القاعدة» وغيره. ولا تزال قضايا الجرحى والمرتبات وتوزيع الإغاثة وحتى الخدمات والنازحين تثير كثيراً من اللغط والأزمات ومظاهر الاحتجاج هنا وهناك. وتبقى المرافق العامة موصدة وبعضها في عهدة مسلحين، فيما سلم ميناء المدينة بعد مطارها للإماراتيين. ويسود شعور لدى عامة الناس في عدن بأن صراعاً مسلحاً يتهيأ للاندلاع يصعب تقدير حجمه واتساعه أو تخمين أطرافه من بين حلفاء الأمس؛ لكن الحراك و«المقاومة» الجنوبيين من جهة، والجماعات الجهادية من جهة أخرى يظلان في صدارة «قائمة الترشيحات».
وتنتشر في المدينة ظاهرة انتشار السلاح وحامليه الذين ألِف كثير منهم تسلم إعانات بالريال السعودي إبان سير المعارك. وثمة أسواق يمارس فيها بيع الخفيف والمتوسط منه نهاراً بصورة علنية، من دون تقييد سوى محاولات بعض مخلصي «المقاومة الجنوبية» مكافحته وكثيراً من المشكلات المذكورة دون تأثير يذكر.
وبينما لم تشهد عدن بعد بيع الألغام، أكد شهود عيان بيعها في أبين المجاورة التي تعاني هي ولحج الأوضاع نفسها، وعلى نحو أشد بحيث لا يستطيع محافظاهما الذهاب إليهما لممارسة أعمالهما هما وإداريو المحافظتين. ففي الأخيرة تتعدد «إمارات الحرب» وأمراؤها «الجهاديون» إلى جانب تدهور الأحوال العامة. ولعلّ أسوأ ما يمكن سماعه بشأن تفشي ثقافة التوحش في المجتمع قيام طفلين جنوبيين بذبح ثالث بسكين، إثر نزاع في لعبة كرة!