رام الله | بعد معركة طويلة، استطاع «مركز القدس للمساعدة القانونية» انتزاع تعهد من جيش العدو أمام «المحكمة الإسرائيلية العليا» بعدم احتجاز جثمان أي شهيد فلسطيني من الآن فصاعداً، مع تسليم جميع جثامين الشهداء الذين تحتفظ بهم إسرائيل في ما يسمى «مقابر الأرقام».


وكشف منسّق «الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء»، حسين خلة، عن أن الحملة حققت «إنجازات نوعية» أخيراً بوساطة «مركز القدس» الذي يتابع ملف شهداء «مقابر الأرقام» أمام المحكمة الإسرائيلية المذكورة. وقال إنهم يعتبرون ما جرى «سوابق قانونية أبرزها تعهد جيش الاحتلال بعدم احتجاز جثامين الشهداء من الآن فصاعداً، والإفراج عن جميع الجثامين المحتجزة لديه بناءً على التماسات قدمها المركز».
لكن مشكلة أخرى تطفو على السطح، وهي أن عدد جثامين الشهداء الذين تعترف إسرائيل باحتجازهم وتنوي تسليمهم للجانب الفلسطيني، يقل كثيراً عن العدد الموثق لدى الحملة. يوضح خلة أن إسرائيل تقول إن لديها 119 جثماناً، «لكننا وثّقنا 242 جثماناً، وهذا فارق كبير (123) في أعداد الشهداء»، مشيراً إلى أن جيش العدو «تعهد بإنشاء بنك DNA لفحص الجثامين قبل الإفراج عنها».
وتوقع المنسق أن تتم هذه الإجراءات مع مطابقة عينات DNA نهاية العام الجاري، أو مطلع العام المقبل على أقصى تقدير، لافتاً إلى أن مطابقة العينات ستكون بحضور طبي فلسطيني وإشراف «اللجنة الدولية للصليب الأحمر».
وكانت إسرائيل قد تعهدت قبل العدوان الأخير على غزة بالإفراج عن جميع جثامين الشهداء، لكنها تراجعت بعد ذلك، وحاولت استغلال هذه الجثامين في صفقة تبادل مع حركة «حماس»، وفق ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية في السادس عشر من تموز الماضي، عن طرح إسرائيل عرضاً على «حماس» عبر مصر يتضمن الافراج عن مجموعة من أسرى الحركة اعتقلتهم في غزة وعدد من جثامين الشهداء، مقابل «جثتي الجنديين الإسرائيليين لديها».


تقرّ إسرائيل بـ119 جثماناً لشهداء لكن الفلسطينيين يقولون إن ثمة 123 أخرى مفقودة

ومع تسليم جثامين 119 شهيداً كما هو متوقع، لن يغلق هذا الملف، لأن الحملة تتحدث عن 123 جثماناً آخر ستواصل العمل من أجل الكشف عن مصيرها، وسط مخاوف من ضياع تلك الجثامين أو أنه جرت المتاجرة بأعضائها ثم إخفائها. ويذكر خلة أنه «وفق محكمة العدل العليا، كان الاحتلال قد تعاقد مع شركة أمنية خاصة تدعى (اي اي اس) لدفن جثامين الشهداء، وهذه الشركة قدمت شهادتها إلى المحكمة واعترفت بعدم توثيقها مكان دفن جثامين الشهداء».
وتحدثت شهادات سابقة عن أن دفن الشهداء في «مقابر الأرقام» لم يراع الظروف السليمة لذلك، فقد كانت الجثث تدفن قرب سطح الأرض، ما يجعلها عرضة لنهش الحيوانات الضالة، أو الانجراف مع التربة، وهذا ما وثقته البروفسورة الإسرائيلية مئير فايس، في كتاب قالت فيه إنه أثناء توثيقها إخراج جثمان الشهيد مشهور العاروري «لم تكن جثة العاروري تبعد عن سطح الأرض سوى 40 سم هي عمق القبر».
وبسبب دفن الشهداء في قبور متلاصقة، تم توثيق اختلاط عظام الشهداء بعضها مع بعض، ما يوضح فعلاً كيف كانت تتعامل إسرائيل بعنصرية حتى مع الأموات.
«مركز القدس»، الذي يصف نفسه بأنه مؤسسة فلسطينية غير ربحية وتأسس عام 1997 بعد انفصاله عن «لجنة الصداقة الأميركية ــ كويكرز»، وثّق وجود أربع مقابر لدى إسرائيل هي: مقبرة الأرقام الواقعة في منطقة عسكريّة عند ملتقى الحدود الإسرائيليّة ــ السوريّة ــ اللبنانيّة، وهي صارت شبه فارغة بعد صفقة التبادل بين العدو وحزب الله (2008)، ومقبرتان في غور الأردن، إحداهما تقع في المنطقة العسكريّة المغلقة، والأخرى تدعى «ريفيديم»، وأخيراً مقبرة شحيطة شمال مدينة طبريّا.
في الوقت نفسه، يشير خلة إلى تصريح أدلت به البروفسورة فايس رصدت فيه نتائج مشاهداتها في معهد أبو كبير الذي دأبت على زيارته ما بين 1996 ــ 2002، وكشفت فيه «انتزاع أعضاء لشهداء فلسطينيين وعرب، وخاصة قرنية العين وجلد الظهر، لتجري زراعتها لجنود إسرائيليين».
وأضاف خلة: «هذه الشهادات تفسّر ضياع الجثامين، لكن على حكومة الاحتلال تحمل المسؤولية وفق القوانين الدولية واتفاقيات جنيف». وأكد في الوقت نفسه أنه بعد تسلّم الجثامين سيعمد إلى «إعداد أوراق قانونية تثبت كل هذه الاعتداءات للذهاب بها إلى الجهات القضائية الدولية».
وإذا تمت عملية التسليم، فإنه يبقى نحو 65 شهيداً آخرين مفقودي الجثامين، لعل أبرز قصصهم حكاية قائد «كتائب الفهد الأسود» في الانتفاضة الأولى، ناصر البوز، الذي اختفت آثاره أثناء مغادرته الضفة المحتلة للقاء الرئيس الراحل ياسر عرفات في تونس، ولم يعرف مصيره بعد.
ورغم إعلان إسرائيل أنها أعادث جثمان البوز في 2013 إلى السلطة الفلسطينية، فإن فحوص الحمض النووي أثبتت أن الجثمان ليس له، وهو الأمر الذي تكرر من قبل مع الشهيدة دلال المغربي التي بيّن الفحص أن الجثمان الذي سُلّم على أنه لها ليس كذلك.
مشكلة أخرى، تحدث عنها منسّق «الحملة الوطنية»، وهي أن بعض الجثث التي تسلم قد لا يمكن التعرف على أصحابها رغم الفحوص، وحدث ذلك عام 2012، حينما تم تسليم 18 جثماناً غير معروفة الهوية، دفن تسعة منها في مقبرة رام الله ولا تزال مجهولة الهوية. لكن خلة ذكر أن الاستئناف المقدم إلى «العدل العليا» الإسرائيلية بضرورة إنشاء بنك «DNA» هو «سابقة ستتيح لنا التعرف على هوية هؤلاء الشهداء».