فاطمة كان اسمها. كانت هي امرأة المخيم. تقليدية، لكنها متفرّدة، لها ملامحها وطباعها وطريقة حياتها الخاصة أيضا. وفاطمة كانت المرأة الأجمل في مخيم اليرموك. عاشت حياتها متعبة، ولكن بابتسامة لا تفارقها. تراها تهرول في سوق الخضار في شارع فلسطين، بعباءتها السوداء وجسمها الممتلئ وحجابها البسيط لتطعم أولادها الأربعة. متبرجة كانت فاطمة دائما بابتسامة سخرية من الزمن، وضحكة فرحة تحتفي بها بلقاء أحبتها. ضحكتها التي كانت تخرج من القلب المتعب، بدت لي مضاهية للابتسامة المعجزة التي فيها كل سر جمال "الموناليزا".

ومن صفات فاطمة، انها "كثيرة الغلبة". فهم تعرف كل أخبار الجيران قبل الجيران أنفسهم وهي صديقة الكل. شجاعة، تقف مع الحق ولو كان أمامها مئة رجل ان لزم الأمر، دون أن يطلب منها احد المساعدة. هكذا كانت فاطمة.
حلت الحرب على مخيمنا الدافئ، ضيفا دمويا لعينا لم يرغب فيه أحد. فاطمة التي تشبه المخيم، شاخت في الحرب كما شاخ المخيم في فترة قصيرة. ابنة فاطمة متزوجة بشاب أهله يعملون في مؤسسات الدولة. هكذا، ومع أول أزمة المخيم، أخرجت فاطمة ابنتها مع زوجها وحفيدتها خوفا عليهم.

وبالرغم من سوء الوضع في المخيم، الا أن أولادها وزوجها رفضوا الخروج بسبب سوء وضعهم المالي. بعد فترة، خافت فاطمة على ابنها الصغير. كان لها خياران: اما أن يترك المدرسة خوفا عليه في ذهابة وايابه، أو النزوح عن المخيم ليكمل دراسته في المناطق الآمنة. قررت فاطمة النزوح، فأخذت ابنها الى منزل الاقارب الآمن حتى أكمل عامه الدراسي، ثم عادت الى أولادها في المخيم.
عادت فاطمة الى المخيم فعاشت الجوع والمرض وانتظار الموت. حتى قررت ذات يوم، بعدما فقد الجميع الأمل في فك الحصار وعودة المخيم الى اهله، أن تصل الى أخيها الذي يقف على الحاجز عند باب المخيم مع القيادة العامة. هكذا مرت من بين الرصاص يهزها الخوف على ابنها الصغير مجددا، لتتحدى طريق الموت حتى وصلت الى الحاجز.
أذكر كلماتها كما لو كانت اليوم :"أخذت ورد (ابنها) وركضت!.. ما بدي أشوفو يموت الجوع! يا نموت مرة واحدة يا مننفد".
لكن قلب فاطمة المشتت بين ابنائها داخل المخيم وخارجه، أثقلها هما. فلقد أخرجت ابنها الصغير من الموت لكنها عينها ظلت تترقب أولادها المحاصرين في المخيم. هكذا، كانت فاطمة تذهب يوميا الى مدخل المخيم حاملة مؤونتها علها تستطيع أن تدخلها لأولادها، دون جدوى. واظبت على ترقبها شهرين ..عبث.
ربما كانت فاطمة أكثرنا شبها بشآم زمن الحرب: أولادها محاصرون في المخيم، اخوتها في القيادة العامة، أهل زوج ابنتها يعملون في مؤسسات الدولة، وفاطمة وحدها الخاسر الأكبر: فكلهم أحباؤها.
كانت فاطمة دائما حين تغرق في حيرتها، تختار ابنها الصغير. اولوية الصغير ربما كانت بسبب خوفها عليه لانه الاضعف، او ربما لأنه المستقبل؟ وربما لأنه أكثرهم براءة من كل هذا الذي يحدث.
كنا نخاف على فاطمة لكثرة تنقلها في شوارع الحرب، خشينا أن تموت بقذيفة او في اي من أحداث هذه الحرب التي أدمت الشعب السوري كله.
لكنها ماتت بسلام وهي في التاكسي مع ابنها الصغير. كانت متجهة الى بيت ابنتها في ضاحية جرمانا تاركة ابنها الصغير وسط الطريق الذي لا أحد يعلم أين ستأخذه في هذه الدنيا.
رحلت فاطمة وبقيت الشام والمخيمات. فهل ترحم الحرب ما بقي من الحب بيننا من أجل أطفالنا علي الاقل؟ الشام تبكي الجميع، فهي مثل فاطمة البسيطة، امّ تعبت حد الموت من تفرق أحبائها ونسيانهم لها.
صوت فاطمة العالي صمت، سكت الى الابد، لكنّ صداه، باللهجة الفلسطينية المخيمجية ما زال يصدح في اذني: " عزا ....ايمتى رح ترجع الشام زي أول ....ايمتى رح يرجع المخيم ويرجعوا أولادي وأخواتي وأهلي كلهم يلتموا ببيت واحد يوم الجمعة؟ ويرجع سوق الخضرة وقصص الجيران.. و يرجع العمر".
لكن فاطمة رحلت وبقيت الشام التي ما زال أولادها يموتون على كل الجبهات. الى متى ستصبر الشام؟ الى متى ستصمد سيدتي الجميلة؟