لم تعُد تركيّا في نظر كثير من السوريين الفارّين من جحيم الحرب هي «الجنّة الموعودة». هذه السرديّة التي لقيَت رواجاً كبيراً في السنوات الماضية اختفت من التداول خلال العام الجاري، لتحلّ محلّها رواياتٌ كثيرةٌ عن مضايقاتٍ وحوادث تطاول السوريين داخل الأراضي التركيّة، وبتناسب طرديّ مع ارتفاع نسبة السوريّين الذين اتّخذوا من تركيا ممرّاً شبه إجباري على طريق اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي.


وعلاوةً على ازدهار عمل مافيات التهريب التركيّة بغطاء من جهاتٍ وأشخاص داخل الأجهزة التركيّة، تزايدت في الآونة الأخيرة حالات استهداف زوارق خفر السواحل التركي لمراكب تقلُّ مهاجرين في طريقهم إلى الجزر اليونانيّة المجاورة، وفيما اقتصر تناول الظاهرة على أحاديث عامّة راجت عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون توثيق دقيق، فقد سُجّلت أخيراً حالة اعتداء موثّقة انتهت بإغراق يخت ما خلّف أكثر من عشرينَ حالة غرق بين ركّابه، منهم سيدات وأطفال. وأكّدت رواياتٌ عدّة أن يختاً سياحيّاً كان قد انطلق في الخامس عشر من الشهر الجاري من مدينة بودروم التركيّة قاصداً جزيرة كوس اليونانية وعلى متنه 150 سوريّاً على الأقل. ووفقاً للروايات المتقاطعة فقد «قام مركب تابع لخفر السواحل التركيّة، يحمل الرّقم 302 بمطاردة اليخت بعد انطلاقه بقليل. وبعد رفض سائق اليخت التوقف أطلق عناصر خفر السواحل الرصاص في الهواء ما خلّف حالةً من الذّعر والفوضى بين مستقلّي اليخت». كذلك «استمرّ المركب التركي بالدوران حول اليخت، وقام العناصر بتوجيهِ خراطيم مياه نحو اليخت بغية ملئه بالمياه، وإغراقه». محمّد، الذي تربطه صلة قربى بأحد الناجين من الحادثة قال لـ«الأخبار» إنّه تمكّن من التواصل مع قريبه «بعد الحادثة بيومين». ونقل الشاب عن قريبه (متحفّظاً على ذكر اسمه، لأنّه ما زال في قبضة السلطات التركيّة) قوله إنّ «اليخت غرقَ بفعل المياه التي تجمّعت داخله، وبفعل حالة الفوضى والذّعر التي خلّفتها إجراءات خفر السواحل. ليأتي بعدها مركب آخر تابع لخفر السواحل ويبدأ انتشال ركّاب اليخت الذين غرق منهم حوالى ثلاثين شخصاً». ووفقاً للمصدر ذاته، فقد قامت السلطات التركية بـ«احتجاز المُنتَشَلين لمدة يومين في مركز تابع للجندرمة التركية في مدينة بودروم، قبل أن يُنقلوا إلى «بيت الضيافة العثمانيّة» (في مدينة عثمانيّة)، حيث يستمرّ احتجاز معظمهم حتى الآن». رواياتٌ متقاطعة أكّدت أنّ احتجاز هؤلاء «مستمرٌّ في ظروف غير انسانيّة، مع معاملة سيئة من قبل الجندرمة التركيّة». وأكّدت الروايات أنّ عدداً من المحتجزين قد تمكّنوا من «دفع رشى مقابل إطلاقهم، بينما يجري الضغط على بقيّة المحتجزين عبر تهديدهم بالترحيل إلى سوريا أو البقاء في الاعتقال. فيما الهدف الأساسي هو ابتزازهم، إذ يطلَق كل من يتمكن من دفع رشوة». ويبدو أنّ انتشار هذه الأنباء، والبدء في تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد دفع بعض السوريين ممن مروّا بتجارب مماثلة في أوقات سابقة إلى الحديث عن تجاربهم، بعدما وصلوا إلى بر الأمان في أوروبا. وذكرَ غيرُ واحدٍ من هؤلاء أنّه تعرّض للاحتجاز على يد خفر السواحل التركيّة أثناء محاولته السفر تهريباً عبر البحر، وأنّ تسوية الأمور كانت تجري بعد دفع كلّ من المحتجزين مبلغاً من المال. يقول عدنان «قبل نجاح محاولتنا الأخيرة، كنّا ضحايا محاولة إبحار فاشلة، حيث ألقى عناصر خفر السواحل القبض علينا، وجرى إجبار كلّ منّا على دفع 25 دولاراً، ومصاريف النقل إلى أقرب مدينة تركيّة غير ساحليّة». مصدر إعلامي معارض يقيم في تركيا أكّد لـ«الأخبار» أنّ «حالات الابتزاز التي يتعرّض لها السوريون ليست جديدة، ولكنها أخذت في التفاقم أخيراً». المصدر أكّد أنّ «كثيراً من السوريين يتردّد في كشف هذه التفاصيل عبر الإعلام لأسباب عدّة، منها خوف التّعرض إلى المساءلة في حالة وجودهم ضمن الأراضي التركيّة. ومنها غياب الثقة بكثير من وسائل الإعلام التي تبدو متعطّشةً لأنباء كهذه بغية تصدير المواقف التي تتناسب مع توجهاتها السياسيّة».