الجزائر | حالة اضطراب جديدة تمسّ الشارع الجزائري بسبب الارتفاع المتوالي في أسعار المواد الاستهلاكية واستمرار تصريحات المسؤولين الداعية إلى «شد الحزام» لمواجهة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تغير أسعار النفط، في وقت ترى فيه المعارضة أن إجراءات الحكومة التقشفية غير واقعية، لأن «الشعب غير مسؤول عن الأزمة».


وفي الأيام الأخيرة، بدا أن القدرة الشرائية تدهورت بالتزامن مع هبوط أسعار النفط الذي يُعَدّ أساسياً في إيرادات البلاد، كذلك تراجع معدل قيمة العملة المحلية (الدينار الجزائري) بما قيمته 22% مقابل الدولار الأميركي، في الأشهر الأولى من العام الجاري، وفق محافظ بنك الجزائر، محمد لكصاسي.
لكصاسي كشف أن انخفاض أسعار البترول أدى إلى تراجع حاد في صادرات النفط التي انخفضت إلى 18.1 مليار دولار في النصف الأول من 2015، مقابل 31.79 مليار في المدة نفسها من العام الماضي، أي إنه انخفاض يقدر بـ43%، الأمر الذي أدى إلى تسجيل عجز كبير في ميزان المدفوعات.
المعارضة لم تر في الأرقام الاقتصادية سبباً أساسياً للأزمة، بقدر ما حملت الحكومة المسؤولية عن «السياسات العرجاء»، التي أدت إلى اتباع التقشف مع رفع أسعار الكهرباء والوقود، ثم الارتفاع الكبير في مختلف المواد الاستهلاكية.
وقدر المتحدث الرسمي باسم «اتحاد التجار والحرفيين»، الطاهر بلنوار، أن القدرة الشرائية للجزائريين تراجعت بـ5%، وهو فعلاً ما يمكن تلمسه من استياء المواطنين في ظل ارتفاع الفواتير الرسمية. لكن موظفاً حكومياً يدعى عبد المجيد سخر من الحديث عن تدني القدرة الشرائية بالقول: «متى كانت عندنا قدرة شرائية حتى تنهار... نحن منهارون منذ وقت طويل».
ووفق جولة في الأسواق، يظهر أن أسعار المواد الغذائية فقزت إلى أعلى مستوياتها، مسجلة ارتفاعاً قدره 8.6%، فضلاً عن زيادة في المنتجات الفلاحية الطازجة بـ17.3%، والمنتجات الغذائية الأخرى بـ10.76 بالمئة، والغذائية الصناعية بـ5.4%.
في هذا السياق، أصدرت «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» تقريراً عن الوضع المعيشي، أعربت فيه عن قلقها من ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، وحذرت من أن «الجبهة الاجتماعية تشهد حالة من الانفلات في أسعار المواد الأساسية، وهو ما لم يعد متناسباً مع قدرات المستهلك». وأضاف التقرير: «الاستمرار بهذه السياسة ينذر بكارثة اجتماعية في الجزائر، فقد ارتفعت الأسعار في الأسواق الوطنية ارتفاعاً جنونياً بلغ أكثر من 60%، في حين أن تقريراً أعدّته منظمة التغذية التابع للأمم المتحدة (الفاو) تحدث عن أن أسعار المواد الأساسية في العالم بأسره، انخفضت بنسبة 19.2% أخيراً».
على الصعيد الرسمي، أكد الوزير الأول، عبد المالك سلال، أن الحكومة «ستواصل أعمالها الموجهة لترقية الاستثمار ودعم المؤسسات وتشجيع القطاع الوطني المنتج»، مشيراً إلى أن «المقاول الجزائري يبقى في صلب خلق الثروة والنمو». ورد سلال، الذي كان يتحدث في افتتاح لقاء مع «الأسرة الجامعية والأكاديمية» أمس، على انتقادات المعارضة، بالقول إن «أحكام قانون المالية التكميلي 2015 وقانون المالية 2016 تصبّ في اتجاه رفع عائدات ميزانية الدولة ودعم المؤسسات وتسهيل الاستثمار، وخاصة تشجيع القطاع الوطني المنتج»، لافتاً إلى أن ميزانية 2016 ترمي إلى بلوغ نمو بـ 4.6%.
ولكن سلال عاد ليذكر أن الخسائر المالية التي تتكبدها الخزينة العمومية مع تراجع أسعار برميل النفط في السوق الدولية «ستصل مع نهاية 2015 إلى حدود 35 مليار دولار»، واصفاً الظرف بالصعب، وبأنه «يستدعي إجراءات صارمة لتجاوز الخطر». ووعد بأن السلطات «ستواصل تجنيد مصادر مالية جديدة، ومكافحة ظواهر التبذير والتهريب، وإعطاء الاولوية لأعمال القطاع الرسمي، ورفع نسبة النمو للناتج الداخلي الخام خارج المحروقات».
يعلق الخبير الاقتصادي، رضا بودارع الحسيني، بالقول إن الأولوية ليست لتطبيق سياسة التقشف على الشعب بل التوجه إلى محاربة الفساد، والتركيز على الأموال الجزائرية الموجودة في البنوك الخارجية والتدقيق في الثروات المشبوهة. ودعا الحسيني إلى «ضرورة الحد من الحصص المالية المخصصة لفعاليات عديمة الفائدة تحت غطاء وزارة الثقافة، وغيرها من المشاريع التي تسبّب تأزيم الأوضاع الاقتصادية أكثر».