الرباط | «الخلافات لم تمح أو تم التغلب عليها فقط، بل أصبحت تماماً من الماضي»، هذا الكلام للرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، الاشتراكي الذي دخل قصر الإليزيه بعد نيكولا ساركوزي، وهو الذي يوصف في دوائر عديدة بـ«محامي المغرب» و«صديق المملكة الكبير».

في معظم الأوقات، كانت السنوات التي يحكم فيها الاشتراكيون الإليزيه مطبوعة بنوع من الفتور في العلاقة الفرنسية ــ المغربية، لكن المصالح الاقتصادية والعلاقات التاريخية كانت تساهم في تذويب الخلافات أو الحيلولة دون تفجرها على العلن.

كان الطرفان يتعاملان بنوع من البراغماتية، ففرنسا يهمها الاستثمار في المغرب والامتيازات التي تحصل عليها شركاتها الكبرى، فضلاً عن أن المملكة تعتبر بوابة أوروبا على أفريقيا، والمغرب كان يهمه أن يحافظ على علاقات قوية مع فرنسا، التي حالت دوماً دون أن يتخذ مجلس الأمن قرارات ضد مصالح المغرب في منطقة الصحراء. فالقضية بالنسبة إلى الرباط مسألة حياة أو موت، وباريس هي الدرع التي حمت المملكة ودافعت عنها وروجت لأطروحاتها في دهاليز صناعة القرار الأممي.

استدعاءٌ فجّر أزمة


كان شهر شباط (فبراير) 2014 حاسماً في العلاقة بين الدولتين: سبعة رجال شرطة فرنسيين يطرقون باب سفير المغرب في باريس، شكيب بنموسى، ويسألون عن عبد اللطيف الحموشي (مدير المخابرات المدنية)، ويسلمونه مذكرة استدعاء لمثوله أمام القضاء الفرنسي للتحقيق في مزاعم تعذيب.
مباشرة، اشتغلت الهواتف وباشر المغرب تحركات واسعة، فالحدث بالنسبة إليه لم يكن عابراً أو خطأ، فقد سبق أن أُوقف وزير الخارجية المغربي، صلاح الدين مزوار، في مطار شارل دوغول وخضع لتفتيش دقيق، بل تناقلت وسائل الإعلام أنه أجبر على نزع جواربه من دون اعتبار لصفته الوزارية وكونه رئيس دبلوماسية بلد صديق، ثم مباشرة أطلق سفير فرنسي تصريحاً مستفزاً وصف فيه «العلاقة بين فرنسا ومستعمرتها السابقة، كالعلاقة بين الرجل وعشيقته».

الرباط اعتبرت ما جرى رسائل سلبية، لكنها أخذت مذكرة التوقيف الصادرة ضد رئيس المخابرات المدنية على محمل الجد، ووصفت السلوك بأنه «يفتقر إلى أدنى متطلبات الاحترام المتبادل وأنه خرق للأعراف الدبلوماسية». بادرت باريس إلى «الاعتذار»، مؤكدة أن ما جرى «خطأ لن يتكرر».
مع ذلك، مضت الرباط في رد الفعل، فكان قرارها «تجميد اتفاقات التعاون القضائي» في رسالة واضحة تقول إن المملكة مستاءة مما جرى، وإن الاعتذار غير كاف. وطالبت بتغيير اتفاقية التعاون القضائي بما لا يسمح مرة أخرى بتحرك الأجهزة الأمنية والقضائية الفرنسية ضد أي مسؤول مغربي مهما كانت رتبته وهو فوق التراب الفرنسي.
في البداية، بدا المطلب مبالغاً فيه وتضييقاً لهامش تدخل القضاء الفرنسي، لكن المملكة تشبثت بطلبها واعتبرته مركزياً لإعادة العلاقات، فدخلت باريس والرباط في نفق من الصدام والتوتر والفتور.

«شارلي إيبدو» يغير كل شيء

في الحقيقة، لم يكن التعاون القضائي هو ما ركزت عليه أعين المتابعين والخبراء في العلاقات الفرنسية المغربية، بل كانت الاستخبارات هي أرض المعركة الحقيقية. المغرب، الذي راكم تجربة كبرى في تتبع العناصر الإرهابية واستطاع تحقيق نجاحات نوعية ضد التنظيمات المتطرفة، توقف عن التعاون الاستخباري مع فرنسا، ولم يعد يجيب على مراسلات باريس واستفساراتها، كما امتنع عن مدها بأي معلومات ذات أهمية، ما أدخلها في بعض اللحظات في «شبه عمى استخباري»، كان من نتائجه وقوع هجوم «شارلي إيبدو».
صباح السابع من كانون الثاني (يناير) من هذا العام، اهتزت فرنسا على صدمة هجوم اعتبر الأعنف، وكان المستهدف هو مقر صحيفة «شارلي إيبدو» التي صبت عليها الانتقادات لاستخدامها رسوماً تسخر من الإسلام، وقتل فيها 12 شخصاً وجرح 11 آخرون.
مباشرة انطلقت التحليلات بشأن هذا الانكشاف الأمني الكبير في باريس، الذي سمح بأن يقع ما وقع. كان تصريح وزير الداخلية الفرنسي الأسبق شارل باسكا، مزلزلاً في دوائر القرار، فقد حمل المسؤولية عن الحادث لهولاند مباشرة ولمعاونيه الأمنيين. كما دعاه إلى ترميم العلاقات مع المغرب، مشدداً على أن العمل الاستخباري الفرنسي تضرر كثيراً بسبب القطيعة التي اتسمت بها علاقات البلدين على امتداد سنة كاملة. وأكد في الوقت نفسه أن المغرب كان يقدم خدمات كبرى للجمهورية، وأن استدعاء مدير المخابرات المدنية المغربي أضرّ فرنسا.
أيضاً، خرجت أصوات عدد من الخبراء الأمنيين لتردد الكلام نفسه، فتحركت باريس لتطويق تداعيات ما جرى، عبر مد اليد إلى الرباط لإنجاز المصالحة، التي وافقت، بعد حادث شارلي إيبدو، على ما كانت ترفضه في السابق، ودخلت في مفاوضات لتعديل اتفاقية التعاون القضائي، بما يمنع السلطات القضائية الفرنسية من متابعة المسؤولين المغاربة، وترك الأولوية في إنجاز التحقيقات للقضاء المغربي.
الأمر اعتبر في ذلك الوقت إنجازاً كبيراً للمغرب، وبسببه هاجمت هيئات حقوقية حكومة هولاند، لكن الطرفين مضيا في توقيع الاتفاقية المعدلة يوم 31 كانون الثاني الماضي بين وزيري العدل في الدولتين. ومباشرة فتحت القنوات الاستخبارية، وتدفقت المعلومات نحو باريس، وانتقل الملك محمد السادس إلى الإليزيه بنفسه للإعلان المبدئي عن طَي صفحة الخلاف.


بدأت فرنسا تشعر بأن إسبانيا تنافسها على مركز الشريك التجاري الأول للمغرب

أول من أمس السبت، عندما حطت طائرة هولاند الرئاسية في طنجة، قال إن «المغرب تتوافر فيه خبرة استخبارية ثمينة بالنسبة إلينا»، وهذا بالذات ما دفع فرنسا إلى تغيير سياستها، بل وإلى «جبر خاطر» المغرب وعبد اللطيف الحموشي، أعلن وزير داخلية فرنسا من الرباط قبل أشهر أن مدير المخابرات المغربي سيكرّم بواحد من أرفع توشيحات الجمهورية.

زيارة استكمال المصالحة


في طنجة، قال هولاند أمام الجالية الفرنسية في قنصلية بلاده إنه «بدأ» مع الملك المغربي، محمد السادس، «مرحلة جديدة» من الشراكة، وهو تعبير عن أن قصة الخلاف الذي تفجر قبل سنة ونصف انتهى، وأن البلدين دخلا «عهداً» من التعاون، وذكر هولاند أنه حان الوقت لإعادة علاقات فرنسا القوية تقليدياً مع حليفها الكبير في المغرب على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، وقع رئيسا البلدين السبت إعلاناً مشتركاً يخص تكوين أئمة يروّجون لـ«إسلام معتدل» يتطابق مع «قيم الانفتاح والتسامح» و«متجذر في قيم الجمهورية والعلمانية»، قال عنه هولاند إنه «يمكن أن يظهروا لفرنسا أن الإسلام دين سلام».
في المقابل، كان الملف الاقتصادي ضمن ما حمله الرئيس الفرنسي في حقيبته خلال زيارته، بعدما بدأت فرنسا تشعر بأن إسبانيا تنافسها على مركز الشريك التجاري الأول للمغرب، لكنها تبقى الشريك الاقتصادي الأول للرباط بفضل أهمية استثماراتها التي «تناهز اثني عشر مليار يورو بالإجمال»، كما يقول دبلوماسي فرنسي.
وشدد هولاند قائلاً: «نحن قادرون على الوصول إلى شراكة استثنائية»، وخصوصاً في مجال «السيارات، والفضاء والبنية التحتية»، مذكراً بأنه تم إنشاء «750 شركة فرنسية» في المغرب.
ويبقى استثمار شركة «رينو» من أضخم الاستثمارات التي حظي بها المغرب في السنوات الأخيرة، فقد شيدت سنة 2012 مصنعاً ضخماً قرب مدينة طنجة بقدرة إنتاج تتخطى 200 ألف سيارة سنوياً.
وخلال الزيارة، تفقد هولاند موقعاً لصيانة العربات الجديدة لقطار المغرب السريع، التي سلمتها شركة «ألستوم» الفرنسية. وسيدخل الخدمة في 2017 ــ 2018 لتأمين المواصلات بين طنجة والدار البيضاء. وتشترك في استثماره الشركة الوطنية للسكك الحديد الفرنسية وشركة السكك الحديد المغربية.
ووقع الرئيس الفرنسي والملك، أمس، «نداء طنجة» من أجل «نجاح» مؤتمر المناخ الذي يعقد في باريس بين 30 نونبر (تشرين الثاني) و11 دجنبر (كانون الأول)، ومؤتمر آخر في مراكش مقرر في 2016، وتعهدا في بيان مشترك العمل بوضع «يد بيد من أجل نجاح هذين المؤتمرين».






مغاربة في وفد رئيس فرنسا

ضم وفد الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، خمسة وزراء ورؤساء شركات، إضافة إلى الكاتب المغربي الطاهر بن جلون والممثل الفرنسي المغربي جمال دبوز.
وكان هولاند قد حل بعد ظهر السبت في مدينة طنجة، شمال الممكلة، في وفد ضم بالأساس وزيرتين من أصول مغربية هما وزيرة التربية الوطنية والتعليم العالي نجاة فالو بلقاسم، ووزيرة العمل والتشغيل مريم الخمري.
كذلك رافق الرئيس الفرنسي، كل من وزير الشؤون الخارجية لوران فابيوس، وزيرة البيئة والتنمية المستدامة والطاقة سيغولين روايال، وكاتب الدولة المكلف بالعلاقات مع البرلمان جون ماري لوغن ومسؤولون آخرون.
Related Items - 2