خوف التغيير يُحيي قوانين قتل المتظاهرين

الجوقة النيابية رأت أن الأمن في مصر «حنون»، رغم مظاهر الضرب الجماعي التي رافقت التظاهرات، وأشارت إلى أن عليه أن يتعامل مع المتظاهرين بالرصاص الحي، وهو ما أعاد إلى الذاكرة مشاهد جنود الاحتلال الإنكليزي وهم يطاردون ببنادقهم المطالبين بمصر حرة مستقلة

وائل عبد الفتاح
لا يزال الرئيس حسني مبارك في شرم الشيخ. والرؤساء المقربون يمرون عليه. والمقربون من دوائر الحكم قلقون، حائرون، يفكرون. ماذا يفعلون إذا ما تغير النظام فجأة؟ تربكهم التظاهرات لأنها تحمل بشارة عهد قادم وتغيير مأمول، حتى لو كان الرئيس القادم صناعة النظام مئة بالمئة. سيكون مطلوباً منه البحث عن «أكباش فداء» يدشن بها عهده ويشعل به نيران حكمه. هؤلاء يسمعون أصوات الشباب ويعدّونها، رغم محاصرتها وضربها بعنف، زئير الوحش الساكن في عتمة الغموض السياسي الذي يلف مصر من القاهرة إلى شرم الشيخ.
من هؤلاء الذين يسمعون الزئير في أحلامهم خرج نشأت القصاص. نائب عن شمال سيناء. تربية مزارع الحزب الحاكم لتسمين السياسيين الذين يستخدمون عند الضرورة. ليس من المشاهير. طموحه محدود ويرتبط بالتجارة الرائجة في سيناء. لكنه ظهر عند الحاجة إليه، فهو «نائب الحذاء»، كما لقبته الصحافة بعد قصة بدا فيها القصاص مدافعاً عن الحزب بحرارة دفعته إلى اتهام زميله في المجلس بالخيانة، فرفع عليه النائب ما يضعه في قدمه.
الرجل عصبي إذاً، والاتهام بالخيانة يجري على لسانه بسهولة، وهذا ما جعله يرى المتظاهرين «خونة»، يديرهم نواب مأجورون يريدون «تدمير» مصر. اعترض النائب على «الحنية الزائدة» لوزير


اعترض النائب على «الحنّية الزائدة» لوزير الداخلية، وطالبه باستخدام الرصاص
الداخلية، وطالبه باستخدام الرصاص، لا «خراطيم المياه». قال هذا في مجلس من المفروض أن يدافع عن الشعب وحريته.
النائب ابن «ثقافة» إقطاعية ترى النظام صاحب البلد والمعترض عليه «خائن». الإقطاعية تربي قطيعها في الحزب والمعارضة، وتوزع الأدوار ليصبح «الشيخ» رجب هلال حميدة سنداً من خارج الحزب الحاكم في «جوقة» التأييد بلا حدود لسلوك الأمن مع المتظاهرين.
«الشيخ»تراجع في اليوم التالي وأنكر كلامه على «الرصاص»، لكنه لم ينف اعتباره التظاهرات علامات خيانة والمتظاهرين أدوات مغرر بها لتنفيذ المخطط الأميركي لـ«الفوضى الخلاقة».
ورغم أن المخطط وصاحبته في ذمة الاعتزال السياسي، إلا أن النائب وجدها فرصة لإظهار ثقافته المطلعة على آخر طبعة في عالم المؤامرات.
الجوقة كانت عصابية، لكنها أسعدت النظام على نحو ما، لأنها كانت فرصة ليكون أكثر تحضراً من رجاله في البرلمان. لم يدافع أحد عن «الضرب بالرصاص». وهاجمت البرامج التلفزيونية الحكومية السقوط السياسي للنائب، الذي بدت سذاجته مثيرة للدهشة عندما أراد تصحيح كلماته، موضحاً أنه كان يقصد «الخارجين عن القانون»، لا المتظاهرين، وأنه لا ينطق عن الهوى، بل بالقانون الذي يتيح ضرب المتظاهرين بالرصاص الحي فعلاً.
هكذا أخرج النائب قوانين من مخازن السلطة عمرها أكثر من 80 عاماً وصيغت أثناء الاحتلال الإنكليزي ليدافع بها عن «احتلال» الحزب الوطني للسلطة.
ورداً على هذه الدعوة، تجمّع نحو 70 من أعضاء حركة شباب 6 نيسان أمام المجلس في تظاهرة، رفعوا شعاراً لها «اضربونا بالرصاص»، وشارك فيها عدد من أعضاء مجلس الشعب المستقلين والمنتمين إلى الإخوان المسلمين وأيمن نور، وهتفوا قائلين «أهلاً أهلاً بالرصاص، إحنا فتحنا صدورنا خلاص».
الضرب بالرصاص الحي لم يحدث في مصر تقريباً إلا مرات نادرة، لم تعترف بها الشرطة المصرية. وحتى في لحظات نزول الجيش ليحسم الأمر في انتفاضة الخبز (1977) أو أحداث الأمن المركزي (1986)، لم تطلق رصاصة واحدة في الشوارع. والمطالبة الآن بمزيد من العنف هي علامة على الرعب والعجز والقوة الغاشمة من دون عقل يديرها. وشعور بعدم القدرة على الانتقال «الآمن» للسلطة.
القلق طبيعي إذاً، وخصوصاً مع غياب قدرة النظام على اقتراح بديل للرئيس أو مبادرة للمستقبل. الغياب يبرر القلق الحاكم كما تكشف حكاية رواها شخص كبير في الحزب الوطني. «كبير» بقدرته على عبور الحواجز ومعرفته بأساليب الصعود وتقديم الخدمات ليبقى تحت أقدام الحاشية الأقرب إلى قصر الرئاسة.
«الكبير» دفع الثمن غالياً ليصل إلى منصبه في الحزب، ووصل بعدما أزاح أستاذاً جامعياً صدّق الحزب وإمكان التغيير من الداخل، لكنه فوجئ بأن متطلبات المنصب تحتاج إلى «بلطجي» قادر على تنفيذ عمليات من نوع اغتصاب المتظاهرات. طلب الجامعي الاستقالة، وقالوا له: «معندناش حد يمشي. إحنا إللي بنمشي بس».

مسؤولون في الحزب الحاكم جهزوا حقائبهم للسفر في حال حدوث التغيير

هنا ظهر بطل الحكاية. قدم خدمات وحصل على المنصب مقابلها. وطرد الجامعي بعد أوامر بالخرس. فرصة جعلت صاحب الحكاية يحتل موقعه المميز بجوار أحد كبار النظام، وأصبح هو إحدى الأوراق في لعبة صراع الأجنحة والحرس القديم والجديد، وأصبح شريكاً في لعبة الصراع. لكنه اكتشف أن اللاعبين كلهم أصابهم قلق فجائي.
وهذه الحكاية تشير إلى انتقال القلق من مستويات عليا إلى الوسيطة التي ينتمي إليها صاحب الحكاية، هذه القيادات الوسيطة للحزب أدركت بغريزتها أن القلق يسيطر على كبارهم، وأنهم جميعاً يجهزون أنفسهم لشيء ما في المستقبل.
المهم أن الرجل الذي دفع ثمناً للوصول إلى موقعه سعى إلى كل السفارات التي يمكنه الحصول على تأشيراتها، وجهز حقائبه للقفز في أول طائرة إلى أي مكان.
من بين ثنايا الحكاية، من الممكن التقاط أن الحزب في حالة «تثبيت». لا أحد يتحرك سوى الملياردير أحمد عز. وحده ينفرد بكل شيء، ويختار مرشحين من وجهة نظر صاحب الحكاية لا يمتلكون مقومات الترشيح لأنهم لا يملكون المال اللازم لمعارك الانتخابات في العصر السعيد الذي نعيشه. الحكاية يمكن أن تكون معروفة في أوساط ضيقة. وقد تكون قديمة والحقائب جاهزة دائماً. كيف يمكن أن يحكم مصر من يشعر بالقلق والحاجة إلى الهرب؟ الإجابة ستفسر بالتأكيد سر المطالبة بضرب المتظاهرين بالرصاص.


عنف «التغيير» الطائفيالتظاهرة القبطية سيطرت عليها حمّى الدفاع عن الدين المضطهد. وهتف المتظاهرون «بالروح والدم نفديك يا صليب». الشرطة أنكرت وجود الشاب في القسم، وأعلنت أنها تبحث عنه وستسلمه للكنيسة لحظة العثور عليه.
والمصادر في الكنيسة روت أن سبب «الثورة من أجل سامي» أنه «فقير وغلبان وجاهل، وهو ما استغله أصحاب الأرض التي يعمل بها واختطفوه ليعلن إسلامه في الأزهر بالقاهرة».