تحلّ في هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لانتصار ثورة «21 سبتمبر» في اليمن، التي مثلت انتهاء حقبة زمنية طويلة من الهيمنة الخارجية، والنفوذ السعودي، وهو ما لم تتقبله الرياض، ما دفعها إلى شن عدوان شامل بمباركة أميركية، وتعاون خليجي، وبعض العربي. ومع مرور عام على الثورة، ينتصف عام على بدء العدوان، وصمود اليمن أمام أكبر عدوان يشهده في تاريخه الحديث والمعاصر


اليمن قبل 15 عاماً

طوى اليمنيون مع عام 2000 عشر سنوات من قيام الوحدة بين شطري البلاد (22 أيار)، وأقام حينها الرئيس السابق علي عبد الله صالح في العاصمة صنعاء احتفالاً باهراً، استعرض فيه الترسانة العسكرية، ومن ضمنها صواريخ «سكود» وغيرها من الأسلحة الثقيلة... وكان من بين الحضور الملك السعودي الراحل (وقتها كان ولياً للعهد) عبد الله بن عبدالعزيز، وعدد من الأمراء السعوديين، والمسؤولين العرب.
لم تكتمل النشوة حتى وقع بعد خمسة أشهر الهجوم الشهير على المدمرة الأميركية «يو إس إس كول»، وهي راسية قبالة شواطئ عدن، لتكون أول حادثة تصدم الرأي العام اليمني، وتثير لديه شكوكاً في صحة الرواية الأميركية القائلة إن ثمة إرهاباً يقف خلف الهجوم، وليس أمراً مفتعلاً ينبئ عن مطامع استعمارية باليمن تسعى إليها الولايات المتحدة.
لم يمرّ عام على الحادثة حتى كان العالم على موعد مع حبكة أميركية من نوع أكبر بما لا يقارن، وكانت أحداث الحادي عشر من أيلول الشهيرة وانهيار برجي التجارة في نيويورك.
وأعلن حينها الرئيس الأميركي جورج بوش عقيدته: من ليس معنا فهو ضدنا.
واليمنيون كغيرهم يقفون مشدوهين أمام شاشات التلفزة يوشكون على تصديق الرواية الأميركية، ولكن لا تزال ثمة أسئلة تحتاج إلى إجابات، والسلطات الرسمية اليمنية لم تعط شعبها تفسيراً واضحاً، وكان خيار السلطة التضامن مع واشنطن، والتعاون معها في ما بات يعرف «بمكافحة الإرهاب»، وسرعان ما كانت الترجمة بغارة أميركية على محافظة مأرب عام 2002 مستهدفة أبو علي الحارثي وآخر معه بتهمة انتمائهما إلى تنظيم «القاعدة»، ومشاركتهما في تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول».
سكتت صنعاء عن هذا الانتهاك الأميركي لسيادة البلد، ولم تصدر عن أحزاب المعارضة إلا بيانات رفع عتب.

صعدة تصرخ، وتربك الحسابات!

في هذه الأجواء الملبدة بغبار الإرهاب، والضربة الأميركية الأولى من نوعها داخل اليمن، كان لرجل مثل السيد حسين بدر الدين الحوثي أن يشرع وحيداً دون ظهير من أحد في رفع الصوت، ومخاطبة المجتمع اليمني بما يتهدد بلاده من مخاطر باتت تلوح في الأفق، وتنذر بسقوط اليمن تحت السيطرة الأميركية إن لاذ الجميع بالصمت («الأخبار»، العدد ٢٦٨٨).
وكانت دعوته إلى رفع «الصرخة في وجه المستكبرين» تجد آذاناً صاغية عند الكثيرين من الشباب التواقين للحرية، وانطلقوا يصرخون بها في المساجد من عام 2002 إلى 2004، وكان «الجامع الكبير» في صنعاء القديمة أبرز المحطات التي حطت فيها «الصرخة» قاطعة مسافة 242 كلم بين صعدة والعاصمة.


لم تفلح محاولات «الإصلاح» من خلال تطييف الصراع من أن يخسر المعركة كما هو متوقع

ومن الجامع الكبير ومساجد أخرى كان ينتهي بما عرف حينها «بالمكبرين»، وهي أول صفة أطلقت على رافعي الصرخة (كان ينتهي بهم المقام إلى زنازين السلطة وسجونها).
دارت الأيام، ودارت معها حروب ست طاحنة ما بين عامي 2004 وعام 2010 انتهت بواقع سياسي وعسكري شمال البلاد لمصلحة قوة ناشئة وواعدة، فيما النظام في صنعاء وجد نفسه منهكاً، وأمام استحقاقات انتخابية وأزمات سياسية واقتصادية لا يحسد عليها، وفي المشهد السياسي أيضاً ثمة معارضة على رأسها حزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون) تتربص بالنظام وظلت تدفع به في حروب صعدة لإضعافه تمهيداً للانقضاض عليه.

شرخ داخل السلطة، و«أنصار الله» يتنفسون!

وجاء عام 2011 برياح ما يعرف «الربيع العربي» ليركب «الإخوان» موجة ثورية انتهت بشرخ داخل النظام إثر انقلاب علي محسن الأحمر، الذي مثّل ضربة موجعة لرئيسه صالح، أُتبعت بتفجير استهدفه داخل مسجده في القصر الرئاسي، ما أتاح للسعودية أن تتسلل أكثر إلى الملعب اليمني، وتستقبل النظام والمعارضة في الرياض، ويجري التوقيع على المبادرة الخليجية، قضت بتقاسم السلطة، وتنصيب نائب الرئيس حينها، عبد ربه منصور هادي رئيساً للبلاد لمدة عامين. (ينقل عن هادي نزوعه إلى بسط اليد على منظومة الصواريخ الاستراتيجية، وأنه كان يسعى إلى تفكيكها منذ تسلمه رئاسة البلاد).
بالنسبة إلى حركة «أنصار الله» لم يأخذهم الأسف على عدم إشراكهم في السلطة الجديدة، فهم يعتبرون ما جرى في الرياض ليس إلا إعادة فك وتركيب للسلطة بأيد سعودية أميركية ضمن عشر دول سُميت الدول الراعية للمبادرة الخليجية، وظل «أنصار الله» على حالهم من الحفاظ على النفس الثوري، ومعالجة ما أمكنهم من آثار الحروب الست.

حروب استنزاف وسقوط إمبراطورية آل الأحمر

لم تتأخر نتائج المبادرة الخليجية حتى ظهرت على شاكلة «عقاب» للطرف الذي رفض المشاركة فيها، وهكذا وجد «أنصار الله» أنفسهم مجدداً أمام حروب استنزاف، المتورط فيها هو ذاته الذي كان رأس الحربة في الحروب الست السابقة (علي محسن الأحمر) معززاً بسلطة باتت معظمها تحت هيمنة تيار «الإخوان» ونفوذه.
وانعكست حروب الاستنزاف على شاكلة «معارك كتاف شمال شرق صعدة، ودماج جنوب مدينة صعدة، ومعارك محافظة الجوف، ومنطقة عاهم في محافظة حجة، ومعارك حاشد في محافظة عمران» وهذه الأخيرة انتهت بسقوط إمبراطورية أسرة الأحمر بعد أن تورط بعض أفرادها في تبني الفكر التكفيري، ونصب كمائن لـ«أنصار الله» على الطريق الرابط بين عمران وصعدة، وبعد سقوط آل الأحمر، تعاظمت شعبية الحركة لدى عامة الناس لما لمسوه من عودة الأمن والسلام إلى بلاد حاشد، وبات الطريق العام لأول مرة منذ عقود آمناً أمام المسافرين دون «أعمال قطع الطريق».

محافظة عمران تنتفض!

ومن شواهد ارتفاع شعبية «أنصار الله» في عموم المحافظات، خصوصاً محافظة عمران بعد أن نظمت تظاهرات داخل عاصمة المحافظة تطالب بتغيير السلطة المحلية في مؤشر على تنامي السخط الشعبي على كل ما له علاقة بفساد آل الأحمر، وتيار «الإخوان».
وقرابة أربع لجان وساطة شكّلتها صنعاء لحل الأزمة في عمران دون نتيجة تذكر، وكان ممثلو حزب «الإصلاح» يوقعون الاتفاق ثم يتملصون لاحقاً، مراهنين على أحد معسكرات الجيش في عمران ذات الولاء لعلي محسن و«الإخوان» بحسم الأزمة عسكرياً، وكان المعسكر يستقطب عناصر تكفيرية من مختلف المحافظات ومن الجنوب خصوصاً باسم مواجهة «الشيعة الروافض».
لم تفلح محاولات حزب «الإصلاح» من خلال تطييف الصراع من أن يخسر المعركة كما هو متوقع، وينتهي نفوذه في المحافظة بضربة قاضية في 7 تموز 2014 رفعت أسهم «أنصار الله» بين أوساط الشعب كتيار ثوري يمكن أن يعول عليه في مواجهة تغول الفساد داخل مؤسسات الدولة.
لم تتقبل السلطة في صنعاء و«الإصلاح» هذا الواقع الجديد، وطار الرئيس الفار هادي إلى الرياض سريعاً وعاد في ذات اليوم ببيان تقول فيه السعودية إنها ترفض «تمنطق الحوثيين بالسلاح»، وتطالبهم بالانسحاب من عمران. وصدرت مواقف دولية وأممية يظهر فيها الانحياز إلى طرف ضد طرف، وتطالب «أنصار الله» بالانسحاب من عمران، وتسليم السلاح للدولة.
وكان رد «أنصار الله» بأن الخارج ليس وصياً على الداخل، وعلى القوى السياسية الوطنية التزام مقررات مؤتمر الحوار الوطني لضمان قيام دولة للجميع، وحينها يكون تسليم السلاح مجرد تحصيل حاصل.

سلطة «الإخوان» والدعسة القاتلة!

ظلت تداعيات أحداث عمران تهيمن على الأجواء السياسية، واندفع حزب «الإصلاح» نحو تحريض الجيش ورئيس الدولة بشن حرب واسعة على «أنصار الله»، لكن الميدان العسكري لم يكن يسمح بمثل تلك المغامرة، وفيما البلاد تعيش لثلاثة أسابيع من «الحسم في عمران» حالة الشد والجذب، فإذا بها تغرق في أزمة سياسية اقتصادية ناتجة من تبني الحكومة «قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية» في 30 تموز، غير مدركة بمآلات تلك الخطوة الخطيرة، التي سبق أن سمعت الحكومة نصائح قيادة «أنصار الله» من اتخاذ أي خطوة من شأنها المساس بلقمة عيش المواطنين، لأن تردي الأوضاع الاقتصادية لا يسمح بأن يتحمل المواطن أكثر مما هو متحمل، وإذا كان ولا بد، فلتكن إصلاحات اقتصادية شاملة، والعمل على مكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة.
وتفاقمت نقمة الشعب، خصوصاً وقد شعر الناس بالامتهان أكثر إذ اعتُمد القرار ثالث أيام عيد الفطر، ما اعتبره المواطنون محاولة سلطوية لإمرار القرار مع عطلة العيد لضمان عدم ردّ فعل شعبية، لكن توقعاتها خابت، بانحياز «أنصار الله» إلى الشعب في رفض القرار، أو ما عرف محلياً «بالجرعة». انحياز صدم السلطة، وأوقعها في مأزق وباتت أمام خيارين أحلاهما مر، إما التراجع عن القرار، وفي ذلك تنازل مجاني لـ«أنصار الله»، ما يساعد على اتساع شعبيتهم، وإما التمسك بالقرار، وحينها المصير سيكون مجهولاً، ومحفوفاً بالمخاطر.

من الإنذار إلى صنعاء!

وأمام تصلب الحكومة... كان «أنصار الله» يرفعون من وتيرة المواجهة السلمية على مراحل، دشنت بدعوة الشعب إلى تظاهرة عرفت بتظاهرة يوم الإنذار الشهير، وذلك في 4 آب 2014.
انتظر «أنصار الله» أسبوعين لأي رد، ولكن دون جدوى، ما استدعى أن يطل السيد عبد الملك الحوثي في خطاب على قناة المسيرة مساء 17 آب، داعياً إلى أن يتجه الشعب نحو صنعاء لتحقيق الأهداف الآتية:
ــ إلغاء قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية.
ــ استقالة الحكومة، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.
وفي صبيحة الـ18 من آب، كانت الأمواج البشرية من مختلف المحافظات خصوصاً الشمالية تتدفق إلى محيط العاصمة صنعاء، حيث توجد ثلاثة مخيمات في أماكن مختلفة نصبت لاستقبال الثائرين.

اندفع «الإصلاح» نحو تحريض الجيش ورئيس الدولة بشن حرب واسعة على «أنصار الله»، لكن الميدان العسكري لم يكن يسمح بمثل تلك المغامرة

وكان لسكان صنعاء أن نظموا تظاهرات وفعاليات ثورية بشكل يومي وأسبوعي، على أن تظل المحافظات حاضرة بتنظيم مظاهرات إسناداً للعاصمة.

صنعاء، وانتهاء زمن الوصاية!

ارتفعت وتيرة التصعيد الثوري، وتسلسلت إلى ثلاث مراحل نصب خلالها المزيد من المخيمات قرب مقارّ الوزارات والمؤسسات الحكومية، إضافة إلى تنفيذ عصيان مدني، ومع اشتداد الضغط على السلطة، بدأت تفقد أعصابها، وتورطت في مهاجمة الثائرين بالرصاص الحي، وسقط العشرات من الشهداء والجرحى في حادثة «الهجوم على مخيم شارع المطار» يوم 7 أيلول و«مجزرة رئاسة الوزراء الدامية» يوم 9 أيلول، وتفجيرات استهدفت تظاهرة في عمران يوم 11 أيلول. ومع استخدام السلطة للعنف، وجدت قيادة الثورة نفسها معنية بأن تتدخل لحماية الثورة، وشهدت الضواحي الشمالية لصنعاء اشتباكات سرعان ما تصاعدت، واقتربت النيران من مقر الفرقة الأولى مدرع، وهو معسكر يقع شمال غرب العاصمة، متوسطاً أحياء سكنية، ومجاوراً من جهة الشمال لجامعة صنعاء، وباقتراب النيران كانت «الفرقة» تخوض معركة النفس الأخير، بعد أن كانت تتولى إدارة كل الحروب ضد «أنصار الله»، مطمئنة إلى موقعها داخل العاصمة، وأنها في مأمن لا تستطيع أي قوة الوصول إليها.
وعشية الـ21 من أيلول تكثف القصف على مقر «الفرقة»، وحبست منظومة الفساد الحاكمة أنفاسها وهي ترى «الفرقة» تعاني سكرات الموت، ومع بواكير صباح الأحد 21 أيلول أشرقت على العاصمة صنعاء شمس يوم جديد، ليس فيه جنرال، علي الأحمر، وأعلنت الحكومة برئاسة محمد سالم باسندوة استقالتها، ليتحقق أحد أهداف الثورة، وألغي «قرار رفع الدعم»، الذي مثل شرارة التحرك الثوري، وذهبت القوى السياسية إلى القصر الرئاسي لتوقيع «اتفاق السلم والشراكة» بحضور المبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك جمال بن عمر، وبالنسبة إلى الجنرال، فقد تكشف لاحقاً هروبه إلى الرياض، ومن هناك استعاد نشاطه العدائي الموكول إليه، بمشاغلة ما بات يعرف «باللجان الشعبية» المنبثقة من ثورة 21 أيلول، ريثما ينظر في مصير الحكم السعودي، حيث الحالة الصحية المتدهورة للملك عبد الله بن عبدالعزيز تحول دون اتخاذ أكثر من بيانات رفض لما حصل في صنعاء، فالرياض حينها شعرت بأن التطورات الأخيرة في اليمن تهدد نفوذها، وتطيح «المبادرة الخليجية»، وتنقل اليمن إلى وضع دولة ذات قرار مستقل، وهو ما يتعارض كلياً مع السياسة السعودية الحاكمة اليمن منذ نحو نصف قرن.