القاهرة | «تغيير الحكومة جاء بناءً على التقارير الأمنية، الأمر كله تتحكم فيه أوراق الأجهزة الأمنية، التي رفعت إلى الرئيس معلومات مفادها أن الشارع غاضب من حكومة (إبراهيم) محلب، ويجب تغييرها بسرعة، لأن الشكوك حولها ستزداد بعد قضية فساد وزير الزراعة، ولا ينبغي أن تكون هناك مثل هذه الشكوك والبلد مقبل على انتخابات برلمانية»، هكذا لخّص مصدر في مجلس الوزراء المصري مسألة تغيير الحكومة المصرية، بأخرى، سيكون عمرها أشهراً معدودة في حال تمت الانتخابات.


توقع بعض المتحمسين أن يثور الرئيس عبد الفتاح السيسي على حكومة محلب بالكامل، ويأتي بوجوه أخرى جديدة تكمل الشهور القليلة المقبلة حتى تشكيل البرلمان قبل نهاية العام الجاري. لكن السيسي فعل «نصف ثورة» أو أقل. فهو أبقى على 17 من وجوه الحكومة السابقة، وأتى بـ16 وزيراً جديداً، منهم اثنان كانا وزيرين من قبل، هما وزير التنمية المحلية أحمد زكي بدر، ووزير السياحة هشام زعزوع.
من هنا صار يُسأل عن سبب التغيير. المصدر الذي شدد على إخفاء اسمه، قال إن الرئيس يستمع جيداً إلى الأجهزة الأمنية والرقابية في مصر، وأضاف: «المهم بالنسبة إلى الرئيس هو ألا يمس شيء سمعته السياسية قبل الانتخابات التي ستفرز برلماناً من المقرر أن يشاركه السلطة وفق الدستور»، علماً بأن وسائل الإعلام وحملتها على الحكومة كانت أحد المعايير التي تحكم محتوى تلك التقارير.
اللافت هو أنه لم تغير الحكومة كلها، بل استبعد كل من ثبت تورطه في الفساد أو حتى من تدور حوله شبهة بأنه لا يعمل. مثلاً، جرى استبعاد وزيرين لم يكونا فاسدين في الظاهر، هما وزير الآثار ممدوح الدماطي الذي تمتلئ وزارته بالمشكلات، وخالد حنفي (التموين) الذي تسبب من قبل في أن يؤجل السيسي مشروع «المركز اللوجيستي للحبوب» إلى الأبد، بسبب أخطاء في فكرة المشروع نفسه، كما تسبب في جعل الرئيس يحكي أرقاماً غير صحيحة عن مخزون القمح في أحد خطاباته.


السيسي يضع في اعتباره الأول فكرة «غضب الشارع» واحتوائه

أيضاً، فإن تعيين إبراهيم محلب في منصب آخر (مساعد الرئيس لشؤون المشروعات القومية) لا يعني أن الغضب على محلب ذاته، ولكن تغييره كان مهماً حتى يقتنع الناس بأنه جرى تغيير حقيقي. ولكن الاختيارات التي ظهرت في أسماء الحكومة الجديدة تؤكد أن الأمن يتحكم في الأمر برمته؛ فوزير التنمية المحلية الجديد، هو ابن وزير الداخلية الأسبق فى التسعينيات زكي بدر، ومعروف عنه شدته وتعامله بطريقة أمنية بحتة مع كل المشكلات التي تقابله مذ عمل وزيراً للتعليم في حكومة أحمد نظيف (كانون الثاني 2010 حتى شباط 2011)، وهو ما قد ينطبق على وزير التعليم الذي ثارت الانتقادات على مستواه.
الغريب أنه، رغم التقارير الأمنية، جرى اختيار عصام فايد لوزارة الزراعة، وهو ابن عم اللواء عدلي فايد الذي كان رئيس قطاع الأمن العام وتمت تبرئته من قتل المتظاهرين في «محاكمة القرن» مع الرئيس الأسبق حسني مبارك.
هذا بشأن الأسماء، أما في البحث عن المضمون، فإن الحكومة الجديدة، كما تتحدث الرئاسة، عليها العمل في ثلاث قضايا رئيسية، هي: معالجة عجز الموازنة، وإنهاء (إتمام) المشروعات الكبرى، وتطوير الخدمات المقدمة إلى المواطنين.
هي توجهات تؤكد أن السيسي يضع في اعتباره الأول فكرة «غضب الشارع التي ركزت عليها التقارير الأمنية الأخيرة». حتى إن مصادر أخرى تؤكد أن السيسي لم يطلب من الحكومة خططاً جديدة، بل ركز على أن تنفذ توجيهاته وخططه أولاً، وهو ما جعل رئيس الحكومة نفسه يبدأ تصريحاته بالجملة التي سئم المصريون منها «بناءً على تعليمات الرئيس»، ما يوضح أن «المهمة الأساسية لهذه الحكومة هي تهيئة البلاد وتهدئة الشارع حتى الانتخابات».
على الصعيد الخارجي، هذه الحكومة تطرح توجهاً جديداً من السيسي في نظرته إلى الخارج. ففضلاً عن استحداث وزارة لشؤون المصريين في الخارج (نحو ثمانية ملايين مواطن)، جرى تعيين امرأة في وزارة التعاون الدولي وهي سحر نصار، من البنك الدولي، ووزير الاتصالات ياسر القاضي من شركة «اتش بي»، ووزير الصناعة والتجارة طارق قابيل من شركة «بيبسي» العالمية. يبدو أن هذا توجه تتعلق أسبابه بأن مصر، مثلاً، حصلت على قرض من البنك الدولي قدره 500 مليون دولار لتوصيل الغاز إلى المنازل قد تكون نصار ساهمت فى الحصول عليه.
كذلك، فإن جولة السيسي الخارجية الأخيرة على كل من الصين وروسيا وسنغافورة، أوحت له بأن تطوير الصناعة أحد أهم أساساته في اختيار الوزراء، إلى جانب أنه يجب إحياء الكثير من المصانع المغلقة منذ ثورة يناير (أغلق أكثر من خمسة آلاف مصنع بعد الثورة، ما أدى إلى زيادة في نسبة الواردات وصلت إلى 27% في 2014).
في كل الأحوال، لا يطمح أكثر المتفائلين بهذه الحكومة سوى بأن تسير وفق أداء حكومة محلب، خصوصاً مع بقاء الوزارات السيادية كما هي بوزرائها، الداخلية والخارجية والدفاع والمالية، وكذلك استمرار وزير الأوقاف في منصبه. وما يعيق الآمال في نجاح «التكتيك» الذي أداه السيسي بتغيير الحكومة، هو أن الاحتجاجات بشأن عدد من القضايا، كقانون الخدمة المدنية ومشكلات امتحانات الثانوية العامة، لا تزال مستمرة.