سعت طوال الأيام الماضية، الطبقة السياسية في إسرائيل، وخاصة رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، إلى التشديد على أنه يجب «تشديد العقوبة ضدّ راشقي الحجارة وعائلاتهم، وتسهيل أوامر إطلاق النار للجنود ورجال الشرطة الإسرائيليين»، في حين أن القيادة القضائية، خاصة المستشار القضائي للحكومة، يهودا فاينشطاين، ترى أنّه لا ينبغي اتخاذ هذه الخطوات.


فاينشطاين، الذي أبدى معارضته اقتراح الوزيرين جلعاد أردان وأييلت شاكيد تشديد أوامر إطلاق النار بالإضافة إلى تحديد «عقوبات حدّ أدنى» لمن يقبض عليه، قال إنّه يعتقد أنّ «لدى القوى الأمنية ما يكفي من الأدوات القانونية لمواجهة هذه الظاهرة دون تغيير تشريعي».
لكن نتنياهو عاد وقال، إنّ الحكومة هي «الجهة السيادية وهي التي تقرر فرض غرامات ثقيلة، وتحدد عقوبات حد أدنى وتشديد أوامر إطلاق النار»، مضيفاً: «سيضطر القانونيون إلى العثور على وسيلة لتحقيق ذلك... أنا عاقد العزم على إمراره لأنّه يجب أن نغيّر الوضع في القدس».
الأمر نفسه ذهبت إليه وزيرة القضاء، أييلت شاكيد، التي قالت في مقابلة مع إذاعة جيش العدو أمس، إنّه برغم أنّ المستشار القضائي قد قال رأيه، فإنّ للحكومة «الحق بأن تعتمد قانوناً ضدّ راشقي الحجارة... يبدو أن أحداً ما هنا لا يفهم كيف تعمل الحكومة، وما دام القانون ليس مخالفاً للدستور، فالحكومة ستقدّمه».
في هذا السياق، نقلت صحيفة «هآرتس» أن شرطة العدو ستوسع استخدام نيران القناصة بواسطة بنادق «روغر»، ضد راشقي الحجارة في القرى البدوية في جنوب فلسطين المحتلة. وتقول إسرائيل إن هذه البندقية قطرها 0.22 ملم، وهي أقل قتلاً من إطلاق النيران الحية، لكنها عملياً أكثر ضرراً من الرصاص المطاطي، كذلك فإنها سبّبت مقتل عدد من الفلسطينيين.
وعملياً، فإن جنود العدو يستخدمون «روغر» ضد المتظاهرين في الضفة المحتلة منذ بداية الانتفاضة حينما كانت تستخدم لتفجير الإضاءة في الشوارع، ثم توسع استخدامها في الأيام الماضية في القدس المحتلة، والآن يدور الحديث عن استخدامها في الأراضي المحتلة عام 1948.
ويرى فاينشطاين أنه لا داعي إلى تخفيف القيود المفروضة على فتح النيران، باعتبار أن التصديق على استخدام بنادق «روغر» يكفي و«ثبتت نجاعته»، وهي التصديق التي جرت بطلب من نتنياهو، علماً بأنه في عام 2001 قال النائب العام الإسرائيلي آنذاك، مناحيم فنكلشتاين، إنه يجب اعتبار «روغر» سلاحاً قاتلاً بكل ما يعنيه الأمر.
ويعارض المستشار القضائي للحكومة، أيضاً، تحديد «حد أدنى» من العقوبة على المعتقلين، مقترحاً تحديد أمر طارئ يسمح بذلك لمدة سنة فقط، لأن ذلك «يمكنه أن يسمح بمدة اختبار يفحص خلالها مدى الحاجة إلى فرض حد أدنى من العقوبات الرادعة». هذه النقطة ردت عليها أيضاً الوزيرة شاكيد، التي قالت إن الأمر الطارئ لسنة لا يكفي، بل يجب «تحديد الأمر لثلاث سنوات على الأقل»، لكنها تركت الأمر معلقاً إلى «جلسة التلخيص التي سيعقدها نتنياهو يوم الخميس المقبل».
برغم ذلك، جعلت معارضة فاينشطاين نتنياهو يتراجع عن التصريح الذي أدلى به أمام الصحافة، ودعم فيه الانتقاد الذي وجهه الوزير أردان إلى المحاكم في كل ما يتعلق بالعقوبات الخفيفة التي يفرضها القضاة على المتظاهرين الفلسطينيين. وأضاف: «من حقنا وواجبنا تحديد هذا المعيار كما فعلنا بالنسبة إلى مخالفات الجنس... سنحدد حداً أدنى من العقوبات على راشقي الحجارة».
ويدور هذا النقاش فيما لا تزال المواجهات في مدينة القدس وبعض القرى دائرة، ويستخدم فيها المتظاهرون الفلسطينيون الحجارة بصورة أساسية، فيما يواجههم جنود العدو بإطلاق النار والغاز المسيل للدموع.
في غضون ذلك، نقل عن رئيس جهاز «الشاباك» الأسبق يوفال ديسكين، تحذيره الحكومة الإسرائيلية من أن تتخذ قراراً بتسهيل أوامر إطلاق النار، بما يسمح للجنود بإصابة وقتل الفلسطينيين بكل سهولة. وقال في صفحته على «فايسبوك»، إن «من يظن أن اليد الأخف على الزناد بصورة أوامر إطلاق النار المسهّلة، ستؤدي إلى وقف إرهاب الحجارة، فهو مخطئ».
ويرى ديسكين، الذي كان رئيساً لـ«الشاباك» بين 2005 ــ 2011، أنّ هذه الخطوة «ستزيد عدد القتلى في أوساط راشقي الحجارة الفلسطينيين، وستدهور الوضع في القدس والضفة نحو انتفاضة ثالثة». وأضاف: «إلقاء الحجارة، الزجاجات الحارقة، عمليات الدهس، الطعن وغيرها، تدل عموماً على أجواء شعبية قاسية تنبع من أسباب مختلفة ومعقّدة... وبشكل أساسي من غياب الأمل، لذلك لا يوجد خطأ أكبر من سفك المزيد من الدماء وخصوصاً دماء المواطنين».
كذلك فإنه ذكّر بأنه في بداية الانتفاضة الثانية عام 2000، «كان عدد الفلسطينيين القتلى أكثر بـ15 ضعفاً من عدد القتلى الإسرائيليين، كنتيجة لسياسات إطلاق النار الإسرائيلية (المفتوحة)، وهو ما دفع الغضب الفلسطيني إلى الازدياد ثم تصعيد الوضع نحو العمليات الانتحارية». وتابع: «القاعدة في الشرق الأوسط هي أن الدم لا يتحول إلى ماء»، ناصحاً «جميع السياسيين الشعبويين الذين يبيعون للشعب الشعارات الرخيصة من أوامر إطلاق النار بسهولة واليد الحديدية، أن يعيدوا النظر في سياستهم، لأنها ستكلّفنا غالياً».
(الأخبار)