بعد تأخير دام أياماً، أُعلنت نتائج الانتخابات السودانية، من دون أن تغيّر في مشهد اللاعبين الرئيسيين، لكن نسب التصويت تحمل في طياتها دلالات عديدة


جمانة فرحات
عزّز شريكا الحكم في السودان، أمس، من مواقعهما في الشمال والجنوب، بعد إعلان فوز الرئيس السوداني، عمر البشير، بولاية رئاسية جديدة واحتفاظ زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، سلفا كير ميارديت، برئاسة حكومة الجنوب، فيما يرجح اتفاق الجانبين على تأليف الحكومة والمضي قدماً نحو إجراء الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب.
وفوز البشير بنسبة 68.4 في المئة من الأصوات في أول انتخابات تعددية منذ 24 عاماً، وفقاً لما أعلنته المفوضية القومية للانتخابات السودانية، سمح بوضع حد نهائي للشرعية القسرية التي كان يمنحها لنفسه منذ الانقلاب الذي قاده عام 1989، لتمنحه في المقابل شرعية دستورية لن تكون مكتملة وسط اتهامات التزوير التي أطلقها عدد من المرشحين الخاسرين.
ورغم فوز البشير، أظهرت النتائج تصويت قرابة ثلاثة ملايين ناخب ضد الرئيس السوداني، بعدما حصل على 6.9 ملايين صوت، من أصل 10.1 ملايين ناخب.
أصوات ذهبت في معظمها لمرشح الحركة الشعبية لتحرير السودان، ياسر عرمان، رغم انسحابه من السباق الانتخابي، ما يظهر بوضوح مدى رفض الجنوبيين لشخص البشير وتأكيد إضافي لتوجههم نحو الانفصال.
أما على صعيد المعارضة، ومهما كان حجم التزوير الذي تحدثت عنه، فإن عجزها بمختلف أطيافها عن تحقيق نتائج على صعيد الانتخابات الرئاسية أو المجلس الوطني والولايات، عكس فقدان أحزاب ما قبل الانقلاب لقواعدها الشعبية، وتحديداً الاتحادي الديموقراطي بزعامة عثمان الميرغني.
بدوره، فشل حزب المؤتمر الشعبي، بقيادة حسن الترابي، في إحراز نتائج إيجابية، ما يعكس إحكام حزب المؤتمر الوطني الحاكم على الحركة الإسلامية في البلاد.
وسارع الرئيس السوداني، الملاحق من المحكمة الجنائية الدولية والمدرك للتحديات التي ستواجه حكمه خلال السنوات المقبلة، لاستغلال ما عكسته نتائج الانتخابات لإعلان أن فوزه هو «نصر لكل السودانيين» لأن «رئيس الجمهورية يمارس سلطاته كرئيس للجميع، وهو مسؤول عنهم».
وأكد البشير، الذي ضمن أيضاً هيمنة حزبه على الحياة السياسية في الشمال، أنه سيمضي في تنظيم الاستفتاء على استقلال جنوب السودان في موعده المحدد. تأكيد أراد من خلاله توجيه رسائل لمن يعنيهم الأمر. فمن جهة، وجه رسالة إيجابية للولايات المتحدة تؤكد التزامه بما اتُّفق عليه بين حزبه والمبعوث الأميركي الخاص للسودان، سكوت غرايشن، وخصوصاً أن واشنطن أسهمت في إضفاء شرعية على حكم البشير، عبر مواقفها الداعمة لعدم تأجيل الانتخابات واعترافها بنتائجها.
كذلك توجه البشير إلى الحركة الشعبية، التي أكدت النتائج أمس اكتساحها للجنوب مع فوز زعيمها سلفاكير ميارديت بـ92.99 في المئة من الأصوات، ما سيمكنه من الاحتفاظ بمنصبيه رئيساً لحكومة الجنوب، ونائباً أول لرئيس الجمهورية.
ومن هذا المنطلق، يتجه حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية إلى نسج ائتلاف حكومي، وفقاً لما تقتضيه اتفاقية نيفاشا.
وإن كانت الحركة الشعبية اليوم أكثر استعداداً للتجاوب مع الحزب الحاكم للمشاركة في إجراءات الإعداد للاستفتاء وإمراره في موعده المحدد، إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق وضع حد لعدم الثقة والتوترات المتبادلة بين الطرفين، وخصوصاً في ظل وجود عدد من المواضيع العالقة، في مقدمتها الترسيم النهائي لحدود أبيي ومراكز تصويت الجنوبيين التي ترفض الحركة أن يفتح أي منها في الشمال، وعضوية المفوضية التي ستتولى تنظيم الاستفتاء، إضافة إلى تقاسم النفط وتنظيم العلاقة في حال الانفصال.
وهذه المشاكل جعلت الأنظار تتجه، منذ لحظة إقفال صناديق الاقتراع، نحو الجنوب وحدوده التي كانت عرضة خلال الأيام القليلة الماضية لتوترات قبلية وحزبية. وللمرة الأولى منذ مدة، تجددت المعارك بين الجيش الجنوبي ورعاة من قبيلة الرزيقات على الحدود مع إقليم دارفور، بما ينذر بإمكان عودة التوترات الحدودية.
من جهة ثانية، أسهم سقوط قتيلين من أنصار المرشحة لمنصب والي ولاية الوحدة السودانية النفطية الجنوبية، أنجلينا تيني، في تجدد المخاوف من لجوء الجنوبيين إلى العنف إذا لم يجر الاستفتاء في موعده، أو انقسامهم في ما بينهم في حال حصوله، وخصوصاً في ظل منهج التسلح الذي تعتمده الحركة الشعبية لتحرير السودان.
تسلح فاقمه ما نقلته صحيفة «آخر لحظة» السودانية أمس عن السلطات الأمنية في مطار دبي بشأن ضبط شحنة أسلحة أميركية كانت في طريقها إلى مدينة جوبا في جنوب السودان آتية من مدينة شيكاغو الأميركية، تبين أنّ حكومة الولايات المتحدة الأميركية صدّقت عليها لمصلحة حكومة جنوب السودان.