القاهرة | تبدو معايير استخدام الأموال في الانتخابات البرلمانية المصرية، التي انطلقت الدعايات الخاصة بها بطريقة غير رسمية، مختلفة عن الانتخابات السابقة، في تاريخ الجمهورية الحديث، وذلك على خلفية غياب «جماعة الإخوان المسلمين» التي اعتادت تقديم السلع المدعمة إلى المواطنين خلال التصويت، مقابل «الحزب الوطني» المحلول، الذي اعتاد شراء أصوات الناخبين على أبواب مراكز الاقتراع.


لعل عادة حزب حسني مبارك ستختفي تماماً في ظل السيطرة القضائية الكاملة على لجان الاقتراع ووقف الورقة الدوارة (ورقة انتخاب يتسلمها الناخب من مؤيد المرشح ومدون فيها اختياره على أن يضعها في صندوق الاقتراع ويسلم ورقته الانتخابية لمندوب المرشح خالية)، بجانب التأمين المشدد من الجيش والشرطة. أما اللافت في هذه الانتخابات فهو اعتماد المرشحين على أنفسهم في الدعاية، ما قلص انتشارها وخاصة في الدوائر الفقيرة في الصعيد التي تعتمد على العصبية القبلية أكثر من تأثير الدعاية المباشرة، وهو ما سيجعل الإنفاق الدعائي حالياً أقل من انتخابات عامي 2010 و2011 التي تخطت حاجز 10 مليارات جنيه (الدولار يعادل 7.78 جنيه)، وفق إحصاءات غير رسمية.
ووفقاً للمادتين 25 و26 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، فإن الحد الأقصى للإنفاق الدعائي للمرشحين (مقاعد الفردي) 500 ألف جنيه، بالإضافة إلى مئتي ألف في حال دخول جولة الإعادة، فيما من المفترض أن يكون التمويل الخاص بالحملة الدعائية عبر التبرع العيني والنقدي بما لا يتجاوز 5% من الشخص أو الحزب الواحد، على أن تخطر «لجنة الانتخابات العامة» بمصادر التمويل، مع إمكانية استقبال تبرعات المرشحين عبر الحساب البنكي المخصص لذلك والمبلغ به اللجنة.


اعتماد المرشحين على أنفسهم في الدعاية قلص انتشارها في الدوائر الفقيرة

وسط ذلك، يؤدي عدد من رجال الأعمال دورا كبيرا في الانتخابات عبر ضخ ميزانية كبيرة في التيارات السياسية التي ينتمون إليها. من هؤلاء رجل الأعمال السيد البدوي وهو رئيس حزب «الوفد»، ويمتلك قنوات «الحياة» الشهيرة. البدوي سيطلق حملة دعائية تتخطى تكلفتها 500 مليون جنيه للحزب بالإعلانات في القناة، وإعلانات مكثفة غير مدفوعة على شبكة القنوات التي يملكها، وهو أمر لن يختلف كثيراً عن حزب «المصريين الأحرار» الذي يموله رجل الأعمال نجيب ساويرس، مالك مجموعة قنوات «on tv»، بينما سيعتمد رجل الأعمال أكمل قرطام، وهو رئيس حزب «المحافظين» على استخدام الإصدارات الصحافية التي يملكها إلكترونياً وورقياً، علماً بأنه أحد المرشحين على قائمة «في حب مصر» المحسوبة على الدولة.
أما محمد أبو العينين (مالك قنوات «صدى البلد») فهو من رجال الأعمال الداعمين لـ«في حب مصر» وعدد من المرشحين المحسوبين على نظام مبارك السابق، وذلك بدعايات مكثفة في قناته التليفزيونية، واستضافة المرشحين للحديث عن برامجهم الانتخابية مجاناً عبر الشاشة. أيضاً، تحظى القائمة نفسها بدعم من رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، وهو أحد المساهمين الرئيسيين في صحيفة «اليوم السابع».
من جهة أخرى، فإن حزب «النور» السلفي يستخدم أسلوب «الإخوان المسلمين» في الدوائر الانتخابية التي ينافس فيها، عبر تنفيذ برامج اجتماعية معتمدة على خبرات أعضائه من أطباء ومهندسين وغيرهم، بالإضافة إلى تمويل اللافتات الدعائية من المرشحين وقيادات الحزب القادرة مالياً، دون وضع حد أقصى لما يمكن أن يضخه القيادي في حملة الحزت حتى الآن.
بالعودة إلى «الوفد» فإن رئيس اللجنة الإعلامية في الحزب، ياسر حسان، يقول إن التكلفة النهائية لدعاياتهم لم تحدد بعد، لكنها ستصل إلى «ملايين الجنيهات من تبرعات المرشحين ورئيس الحزب». وأوضح حسان أن الحزب تقدم بطلب لأربعة رموز لمرشحيه، أولها النخلة (الرمز التاريخي له منذ عام 1984) وثلاثة رموز أخرى هي: «العلم، والحصان، والقبة».
في المقابل، يقول مدحت الزاهد، وهو نائب رئيس حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي» المنضوي في تحالفي «التيار الديموقراطي» و«الثوري اليساري»، إن الأحزاب اليسارية لا تملك رصيدا بنكيا كي تمول حملاتها الانتخابية، موضحا أن حزبه يعتمد في المقام الأول على التبرعات من أعضاء لجنته المركزية تحت شعار «دعاية الفقراء». و«التحالف الشعبي الاشتراكي»، الذي تأسس عقب ثورة 25 يناير من رحم انشاقات حزب «التجمع»، يعول كثيراًَ على نشاط شبابه في الوصول إلى الناس، وهو ما يوضحه الزاهد بقوله: «أحزاب اليسار تحاول أن تستعيض عن ضعف الإمكانات المادية بطرق أبواب الناخبين، وتنظيم اللقاءات، والمؤتمرات الشعبية في الدوائر الانتخابية».