القاهرة | مُنذ صدور تقرير «اللجنة الدولية لسد النهضة» في أيار 2013، التي أُنشئت بتوصية من رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل، ميلس زيناوي، عقب ثورة يناير وزيارات الوفود الدبلوماسية الشعبية وبدء «الودّ» بين مصر وإثيوبيا مع رحيل نظام حسني مبارك، بدأت المفاوضات بين البلدين للنظر في كيفية تنفيذ توصيات التقرير التي كانت في مجملها تنص على أهمية استكمال دراسات تأثيرات السد من عدة نواحٍ في دولتي المصب (مصر والسودان)، ولكن هذه المفاوضات لم توصل إلى رؤية مشتركة بين وزراء المياه في الدول الثلاث.


ومع تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، بدأ الأخير سياسته في التعامل مع الملف بالدعوة إلى الود والتقارب مع إثيوبيا، والتفاوض لحل الخلاف بعيداً عن التنازع ولغة التخوين المتبادلة إعلامياً. فبدأت مفاوضات سياسية انتهت بتوقيع «اتفاق المبادئ القانونية» في آذار الماضي، ثم بدأت المفاوضات الفنية عبر لجنة تجمع خبراء من الدول الثلاث تتولى إسناد مهمة إتمام الدراسات بواسطة مكتب استشاري دولي، على أن خبيراً أجنبياً متخصصاً في السدود سيراجع نتائج الدراسات التي سيجري على أساسها تحديد المواقف النهائية لمصر والسودان من بناء السد وتحديد سياسات التشغيل والملء، التي يجب أن تلتزمها إثيوبيا لتقليل الآثار المتوقعة على مصر.
وبرغم التأكيدات الرسمية المصرية والإثيوبية، على حد سواء، لوجود تفاهمات مشتركة في عمل اللجنة الوطنية، كانت الكواليس تحمل عكس ما يقال في الإعلام. تتحدث مصادر فنية وسياسية مختصة في ملف مياه النيل في وزارتي الخارجية والمياه المصرية، عن أن الخلافات لم تنته برغم توقيع اتفاق المبادئ، والرغبة الإيجابية التي تحدث عنها رؤساء الدول المعنية. وتؤكد المصادر أن «المفاوض الإثيوبيي لا يزال يراوغ لتحقيق أقصى منفعة تتمثل في إطالة المدى الزمني للمفاوضات مع الإسراع في معدلات البناء في موقع السد، خاصة بعد حصوله على مكاسب سياسية بعد بدء المفاوضات».
المصادر نفسها توضح أن مصر لا تزال تتعامل مع المشكلات التي يثيرها الخبراء الإثيوبيون في اللجنة «بهدوء حذر وتَرقب»، لكن هناك «حالة من الغضب بسبب صعوبة التوصل إلى نتائج مع انقضاء مهلة خريطة الطريق منذ أربعة أشهر دون أن تبدأ المكاتب الاستشارية عملها حتى الآن، بل يضيع الوقت في تفاصيل فنية صغيرة».
وأثار انسحاب المكتب الاستشاري الهولندي واعتذاره عن عدم عمل الدراسات الفنية مع المكتب الفرنسي (تم اختيارهما بعد عام كامل من المفاوضات والمباحثات) قلق ومخاوف القاهرة مُجدداً. وتشرح مصادر مصرية في «اللجنة الوطنية لسد النهضة»، أن القاهرة كانت تعول كثيراً على المكتب الهولندي (دلتارس) ودافعت بقوة عن اختياره لإنتاج الدراسات مع المكتب الفرنسي «بي ار جي»، خاصة مع وجود آراء فنية مسبقة من «دلتارس» تفيد بوجود آثار سلبية للسد في معدلات تدفق المياه إلى مصر، بينما كانت إثيوبيا تريد اقتصار الأمر على المكتب الفرنسي.
وكان بيان المكتب الهولندي الذي أعلن فيه انسحابه من المشاركة في الدراسات قد تحدث عن أسباب فنية تحول دون دقة وحيادية نتائج الدراسات المزمع تنفيذها.
الآن، تحاول القاهرة احتواء هذه الأزمة بالتفاوض مرة أخرى على مستوى وزراء المياه، وقد دعا وزير المياه المصري، حسام مغازي، قبل أسبوع، نظيريه الإثيوبي والسوداني إلى اجتماع في القاهرة خلال الأيام المقبلة للتباحث بشأن هذه المشكلة، لكن الردود لم تصل بعد.


وردت مؤشرات أولية إلى الحكومة بانخفاض مياه فيضان النيل هذا العام

وقال مغازي، في تصريحات عقب حلفه اليمين الدستورية في الحكومة الجديدة، إن تدخل الرئيس السيسي وتحول المفاوضات من المسار الفني إلى السياسي أو القانوني هو «حديث سابق لأوانه»، مضيفاً: «نعلم أن طريق المفاوضات من البداية محفوف بالتحديات، والاختلافات أمر متوقع».
وما يصعب الأمور على المفاوض المصري أن مواقفه لا تتطابق مع نظيره السوداني. وعلمت «الأخبار» من مصادر دبلوماسية وحكومية أنه بدأ الإعداد لعدد من التقارير طلبها رئيس الوزراء الجديد، شريف إسماعيل، للبحث في بدائل للخروج من أزمة مياه النيل وتعثر المفاوضات مع إثيوبيا ستجري مناقشتها خلال اجتماع منتظر لـ«اللجنة العليا لمياه النيل».
ويأتي ذلك في ظل ورود مؤشرات أولية عن انخفاض مياه فيضان هذا العام، وهو ما قد يضطر القاهرة إلى استهلاك كميات من المخزون الاستراتيجي لبحيرة ناصر، فضلاً عن أن بدء عملية التخزين في سد النهضة سيكون مطلع العام المقبل، وهو ما قد ينعكس مباشرة على المياه الواردة إلى بحيرة السد العالي.
وتستمر المحاولات المصرية للدفع بحلول دبلوماسية سريعة للحؤول دون وقوع الأزمة المُنتظرة في الحصة السنوية من مياه النيل التي يُهددها سد النهضة، مع تصريحات وإيماءات سياسية بأنه «لا يجب التفريط في نقطة ماء من حق مصر».




سلامة: اللجوء إلى التحكيم الدولي لن يفيد كثيراً

يقول أستاذ القانون الدولي والمستشار القانوني لـ«اللجنة العليا الوطنية لنهر النيل» التابعة لمجلس الوزارء المصري، أيمن سلامة، إن انسحاب «المكتب الهولندي من تنفيذ الدراسات لا يمثل الخلاف القانوني الرئيسي بين مصر والسوادن وإثيوبيا، لأن الخلاف الجوهري هو أن مصر تتبنى وجهة نظر قانونية تفيد بإلزامية التقارير الفنية التي تصدر عن المكاتب الاستشارية التي يمكن استدعاؤها، فيما لا تتبنى كل من السودان وإثيوبيا هذا الموقف، ويزعمان أن التقارير المشار إليها ليست إلا تقارير استشارية».
ويرى سلامة أن المرجع القانوني لحل هذه الإشكالية هو «اتفاقية إعلان المبادئ لسد النهضة المبرمة» في الخرطوم، بين الدول الثلاث في آذار 2015، مضيفاً: «هذه الاتفاقية كانت قانونية وسياسية في المجمل، لكن بنودها تتحدث عن أمور فنية».
وكانت الاتفاقية تتحدث عن التعامل مع حالات تسوية النزاع بالعودة مرة أخرى إلى المفاوضات، واعتبارها الطريقة الأنجح والأسرع، خاصة أن عامل الوقت ليس في مصلحة مصر. لكن سلامة شدد على ضرورة أن «تكون العودة إلى المفاوضات وفقاً لمبدأ حسن النية والثقة المتبادلة والبعد عن المؤثرات الخارجية»، متوقعاً أنه في حال إخفاق المفاوضات في تقديم حلول سريعة يمكن أطراف النزاع اللجوء إلى التحكيم الدولي أو الإحالة إلى رؤساء الدول الثلاثة، مع أن اللجوء إلى المحاكم الدولية لن يفيد كثيراً.