مطلع الشهر الجاري جرى تأكيد مقتل أحد أعضاء «مجموعة الذئب» التابعة لـ«جبهة النصرة» حمزة الفرنسي (ديفيد دروغيون). دروغيون الذي قُتل في غارة أميركية استهدفت مقرّه في ريف حلب الغربي في تموز الماضي لم يكن أوّل عضو في «مجموعة الذئب» يُقتل داخل الأراضي السورية. كان عددٌ من أعضاء مجموعته قد سبقوه، وعلى رأسهم القناص الشهير أبو يوسف التركي (قائد المجموعة) الذي قُتل مع أبو هاجر المصري (عضو المجموعة ذاتها) في غارة لطائرات «التحالف» في أيلول 2014.


بينما قُتل أبو قتادة التونسي في الغارة ذاتها التي أدّت إلى مقتل دروغيون. كذلك قتلت غارة أخرى الكويتي محسن الفضلي (أبو أسماء الكويتي) في تموز الماضي، والأخير لم يكُن عضواً في مجموعة «الذئب»، بل كان مُشرفاً عليها وعلى مجموعاتٍ أخرى مماثلة، كلّ منها «مجموعة ذئب» قائمة في حد ذاتها. وخلافاً لما تداولته بعض وسائل الإعلام من أنّ «مجموعة الذئب» ليست سوى «تنظيم خراسان» الذي بدا وكأنّ الأجهزة الأميركيّة قد أوجدته من العدم إبّان الإعداد لولادة «التحالف الدولي»، تؤكّد مصادر «جهاديّة» لـ«الأخبار» أنّ «مجموعة الذئب» ليست تسميةً دقيقة، وأنّ الأدقّ في هذا السياق هو أنّ المجموعة المذكورة أعلاه كانت «مجموعة الذئب أبو يوسف» نسبةً إلى قائدها القناص الشهير. وهي واحدة من مجموعات عدّة عمل على تأسيسها في سوريا الكويتي محسن الفضلي، الذي أوفدَه زعيم «تنظيم القاعدة» أيمن الظواهري عام 2013 لهذه الغاية. تعمل هذه المجموعات وفق «استراتيجيّة» تُزاوج بين أسلوب «الذئاب المنفردة» وأسلوب «الخلايا الجهاديّة الصّغيرة».

«الذئاب المنفردة»: صُنع في أميركا

يظنّ كثير من المواكبين لتطور عمل الجماعات «الجهاديّة» أن «الذئاب المنفردة» مصطلح وفد إلى العوالم «الجهادية» بعد النشاط الكبير الذي سجّله «الجهاديون» في السنوات الأخيرة، وعلى وجه التحديد في ظل الحرب السورية. والواقع أنّ هذا التكتيك هو صناعةٌ أميركية نظّر لها الأميركيّان العنصريّان أليكس كورتيس وتوم ميتزغر، المؤمنان بـ«سيادة العرق الأبيض». والذئب المنفرد؛ وفقاً لكورتيس «لا يمتلك أي تواصل شخصي مع المجموعة التي يتماهى معها ما يجعل تعقبه من قبل مسؤولي مكافحة الإرهاب، أمراً بالغ الصعوبة». كانت لأبو مصعب السوري (مصطفى ست مريم) إسهاماته في التنظير لضرورة تبني «الجهاديين» هذا التكتيك حيث «ينبغي لكل مسلم أن يُمثل جيشاً من رجل واحد»، فيما رأى القيادي في «تنظيم القاعدة في اليمن» أنور العولقي (أميركي - يمني، 1971 – 2011) ضرورة توسيع هذا التكتيك بالحد الأدنى، بحيث يعتمد على «خلايا لا يزيد عدد عناصر كلّ منها على بضعة أفراد».

«قطعان الذئاب» تسرح في سوريا

شهد عام 2013 نشاطاً متزايداً في صفوف أبرز المجموعات «الجهادية» التي رأت في الحرب السورية تربةً خصبة. لم تقتصر إفرازات ذلك العام على التمهيد للشقاق الكبير بين «تنظيم القاعدة» وتنظيم «الدولة الإسلاميّة»، بل تعدّته إلى إجراء مراجعات على أساليب ومفاهيم العمل «الجهادي». عمل «داعش» على حرق المراحل وجنحَ نحو إعلان «الخلافة» لاحقاً وفق مبدأ «إدارة التوحّش» الذي نظّر له أبو بكر ناجي (بقي مجهول الهوية الحقيقيّة، رغم اعتقاد البعض أنّه المصري محمد صلاح الدين زيدان، المعروف بسيف العدل، الذي اختير زعيماً مؤقتاً للقاعدة بعد مقتل أسامة بن لادن، وقبل تعيين أيمن الظواهري). فيما سار تنظيم «القاعدة» على مسارين: سوري وعالمي. فانتدب لتمثيله في سوريا «جبهة النصرة»، بينما أوفد زعيمه الظواهري وعلى مراحل عدداً من قادة التنظيم للإشراف على عمل «النصرة» من جهة، والإفادة من الظروف السوريّة لخدمة مستقبل «الجهاد العالمي». هؤلاء الموفدون في حقيقة الأمر هم من صُنّفوا أميركيّاً تحت مسمى «تنظيم خراسان». وقد أوكل إلى كلّ منهم تنفيذ مهمة أو مجموعة مهمات بعينها، مع الاستمرار في تقديم «الشورى» إلى الموفدين الآخرين، فيما يتشارك الجميع الإشراف على عمل «جبهة النصرة». ضمن هذه الهيكليّة عُهد إلى الكويتي محسن الفضلي، والسعودي عبد المحسن الشارخ (المعروف باسم سنافي النصر) إنشاء مجموعات صغيرة تضمّ كلّ منها نخباً من «الذئاب» المؤهلين لاحقاً للعمل على تجنيد «ذئاب منفردة» في كثير من دول العالم. ومن المرجّح أنّ اختراقاً استخباريّاً قد سمحَ بكشف تفاصيل تتعلّق بمجموعة «الذئب أبو يوسف التركي» التي كانت واحدةً من أبرز المجموعات المذكورة، وكانت تعمل على وضع خططٍ لتنفيذ هجمات في عدد من دول الجوار السوري «في اللحظة المناسبة».

صراع تركي ــ أردني على «النصرة»

الاختراق الذي أودى بمجموعة «الذئب أبو يوسف» ليس سوى واحد من منعكسات صراع استخباري على الاستئثار بالنفوذ داخل «جبهة النصرة» وتوجيه قرارها. ورغم انخراط عدد من الأجهزة الإقليميّة في الصراع المذكور، غير أنّ اللاعبين الأساسيين في هذا السياق هما التركي والأردني، وفيما يسعى الأوّل إلى فصل قرارات «النصرة» عن القيادة المركزيّة للتنظيم الأم «القاعدة» ويدعمُ أصحاب الاتجاه «القُطري»، يحرص الثاني على إبقاء التلاحم بين التنظيمين ودعم أصحاب الاتجاه «الخراساني» داخل «النصرة» نظراً للعمق الأردني داخل «القاعدة» وعلى مستويات قياديّة عُليا. وخلافاً لما كان عليه الأمر في العام الماضي، فقد أفلح الأردنيّون أخيراً في إعادة الأمور إلى مسارهم. ضمن هذا الإطار، يقول مصدر «جهادي» إنّ «الثغر التي أدّت إلى استشهاد عدد من القادة بفعل غارات الصليبيين قد سُدّت تماماً». المصدر المحسوب على الخط «الخراساني» داخل «النصرة» أكّد لـ«الأخبار» أنّ «شعار: كلّنا أسامة، هو بوصلة القاعدة، وبوصلة النصرة أيضاً».





ما دور أبو مصعب السوري؟

في السنوات الأخيرة تزايدت التكهّنات حول دور أبو مصعب السوري في توجيه مسار «جبهة النصرة». وبالغت بعض الأصوات إلى حد الزعم بأنّ أبو مصعب وأبو محمد الجولاني (زعيم النصرة) شخص واحد. ورغم عدم توافر معلومات دقيقة حول مصير السوري وحقيقة إطلاق الأجهزة السوريّة له عام 2012، المؤكّد أن الهيكلة التأسيسيّة لـ«النصرة» سابقة لهذا التاريخ. وبرغم رفضهما الخوض في حقيقة مصير أبو مصعب، يؤكد مصدران «جهاديّان» بارزان (كلّ على حدة) لـ«الأخبار» أن بصماته ما زالت حاضرة في رسم مسارات تنظيم «القاعدة». ويقول أحد المصدرين إنّ «الشيخ وضعَ منهجيّة متكاملة لتطوير عمل الذئاب المنفردة بطريقة تحفظُها من العشوائيّة، وتجعل عملياتها موجهةً بما يتناسب مع أولويات قاعدة الجهاد لكل مرحلة». وبالتحفظ ذاته يرفض المصدر الخوض في زمان وضع هذه «المنهجيّة»، وهل هي قديمة ووُضعت في حيز التنفيذ قبل عامين، أم أنّ التنظير لها قد جرى قبل عامين فحسب؟ المصدر ذاته يشيرُ إلى وجود «رابطة دم بين الشيخ أبو مصعب، والشيخ الجولاني» من دون أي إيضاح إضافي.