حضرموت هي المحافظة الأكبر جغرافياً في اليمن حيث تبلغ مساحتها حوالى 190 ألف كيلومتر مربع، لتشكل وحدها ما نسبته 36% من مساحة اليمن، في حين لا يصل إجمالي عدد سكانها المليون نسمة حسب آخر الإحصاءات، وتتنوع تضاريسها بين الجبال والهضاب والسهول الساحلية والأودية الداخلية، والصحارى.


كل ذلك، إذا ما أخذنا في الحسبان عدد السكان، يوفر مساحات شاسعة خالية من البشر، وبقاع جغرافية غير مأهولة وأودية داخلية نائية، مما يوفر بيئة مثالية لتحركات عناصر تنظيم «القاعدة»، بعيداً عن أي مراقبة محتملة، وحتى لإنشاء معسكرات التدريب وغير ذلك من الأنشطة، ناهيك عن امتلاكها شريطا ساحليا على بحر العرب المفتوح بطول 450 كيلو مترا، أغلبه خال من البشر، مما يوفر ميزة إضافية لاستجلاب عناصر خارجية للتنظيم، أو أي امدادات لوجستية أو أسلحة، عوضاً عن امتلاك المحافظة 3 موانئ رسمية ومطارين دوليين، يقع أحدهما حالياً تحت سيطرة التنظيم. كذلك تعد حضرموت المحافظة الأغنى حيث تتركز أغلب الإستثمارات النفطية في البلد في هضبتها الجنوبية، التي يعمل فيها عدد من شركات انتاج النفط الأجنبية، كـ«توتال» و«دوف»، و«كالفالي» وغيرها، وأخيراً توفر عددا من المصادر والموارد الإقتصادية المتنوعة الأخرى، هذا في ما يتعلق بـ«القاعدة».
ثم هناك أهمية خاصة لهذه المنطقة بالنسبة للسعودية، قائدة تحالف العدوان العربي على اليمن، والمحركة الأولى للتنظيم، والممولة الرئيسة لنشاطاته. وهي تمثل أهمية خاصة للمملكة، لأسباب جغرافية حيث تمثل حدودها معها أطول شريط حدود، مقارنة بباقي المناطق اليمنية الأخرى، ولأسباب ديموغرافية حيث يتداخل السكان وتتشابه أنماط سلوكياتهم، وتكون أجزاء من القبيلة الواحدة أحياناً على جانبي الحدود، ناهيك عن وجود جالية حضرمية كبيرة في المملكة، تضم في قوامها عددا من كبار التجار ورجال المال، أغلبهم قد أصبحوا مواطنين سعوديين بالتجنس، الذين لعبوا وما زالوا أدواراً مهمة في الاقتصاد السعودي.
الأطماع السعودية المعروفة، بدءاً بضمها لمنطقتي الشرورة والوديعة أواخر ستينيات القرن الماضي، ومروراً بتوسعها المستمر الذي لم يتوقف يوماً باقتطاع أجزاء تلو أخرى من صحرائها بشكل متواصل ودون أي ضجيج، وإعطاء سكانها جنسيات سعودية، آخذين بالاعتبار حلمها الأكبر في الحصول على إطلالة بشكل أو بآخر على البحر العربي ومنه للمحيط الهندي لتصدير نفطها، حيث سيمثل ذلك متنفسا كبيرا لها، مقارنة بموانئ تصديرها الحالية على الخليج العربي والبحر الأحمر.
وفي السياق، تأتي التقارير التي تفيد عن توافر مخزون نفطي كبير في هضبة حضرموت الشمالية المتصلة بالربع الخالي ومنه بالحدود السعودية، ولعل هذا ما يفسر تركز كل الشركات النفطية الحالية كلها، في الهضبة الجنوبية، فيما تخلو نظيرتها الشمالية من أي نشاط نفطي، طوال الفترة السابقة، حيث لم تمنح الحكومة المركزية في صنعاء، امتيازات تنقيب نفطي في هذه المنطقة، وإن منحت كما حصل في تجارب قليلة جداً سابقة، سرعان ما تنسحب تلك الشركات في ظروف غامضة، ولأسباب غير مبررة، حيث يبدو بل بالتأكيد أن هناك ثمة تنسيقا بين الحكومات المركزية السابقة والمملكة.

سيطرة «القاعدة»

تعددت التفسيرات حول توقيت دخول «القاعدة» للمكلا في الثاني من شهر نيسان الماضي، بعد إنقضاء الأسبوع الأول لـ«عاصفة الحزم»، فذهب بعضهم للقول إن السعودية أرادت أن تنشئ بذلك حاجزاً يعيق الزحف الحوثي، ولكن حركة «أنصار الله» لم تكن قد اقتربت من ذلك المجال الجغرافي، بل كانت حينها لا تزال على أبواب عدن. وحلل البعض الآخر ذلك بأنه محاولة لاستدراج الحركة إلى تلك البقعة البعيدة لتخفيف الضغط على الجبهات الأخرى.
مع العلم أن الواضح مباشرة هو سعي السعودية لحجز تلك المنطقة الإستراتيجية لصراع آتٍ، إذا جاز التعبير، صراع هي من يحدد توقيته بناء على معطيات القتال في الجبهات الأخرى، والأهم لاعتبارات الأطماع السعودية بحضرموت.
أما كيف جرت سيطرة «القاعدة» على أجزاء واسعة من هذه المنطقة الحيوية، والسيطرة على عاصمة حضرموت المكلا، التي تعد ثالث المدن اليمنية من حيث الأهمية، بعد صنعاء وعدن، فتبدأ الحكاية عند قائد المنطقة العسكرية الثانية، اللواء محسن ناصر وهو من الموالين للرئيس الفار عبدربه منصور هادي. الرجل قام قبل حوالى أسبوع من سقوط المدينة، بتغيير عناصر كل النقاط العسكرية التي تتحكم في مداخل المدينة، بعناصر أخرى من قبله، بعد تردد شائعات أن هناك تسرب لعناصر حوثية تمت بشكل فردي إلى المدينة، ربما بتواطؤ من عناصر تلك النقاط السابقين. وأطلق الرجل حينها تصريحات نارية حول استعداد قواته لمواجهة أي طارئ، وأن هذه المنطقة ستظل وموالية للرئيس «الشرعي»، مروراً بالقتال المفتعل مع عناصر «القاعدة»، الذي اقتصر على اشتباكات محدودة، ثم قيام مروحية تابعة لقواته صبيحة ليلة الهجوم، بقصف بعض المقار الحكومية الفارغة، كإذاعة «المكلا»، الذي أدى إلى احتراق مبنى الإذاعة بالكامل، بينما نجد أن مبنى البنك المركزي الملاصق لها، الذي كان الكثير من عناصر التنظيم يتجمهرون عند بوابته وداخله، محاولين فتح خزنته، لم يتعرض لأي استهداف، ومواقف تمثيلية أخرى كثيرة مشابهة. ثم حصل ذلك الإنهيار الدراماتيكي غير المبرر، عسكرياً ولا حتى منطقياً، ويمكن أن نتخيّل كيف كان عناصر التنظيم بأعدادهم القليلة يقاتلون في توقيت واحد في جبهات متعددة داخل المدينة، ويهاجمون مراكز بالغة الأهمية وأهدافا عسكرية وأمنية حساسة، وعالية التحصين، تحرسها قوات تفوقهم بأعداد مضاعفة، جيدة التدريب والتسليح، ثم تسيطر عليها جميعاً في ليلة أو ليلتين من الاشتباكات المتقطعة، كالقصر الجمهوري، والسجن المركزي، وقيادة المنطقة العسكرية الثانية، والبنك المركزي، وغيرها من المعسكرات والمقار الأمنية والإستخبارية.


المجتمع المحلي في
المكلا، بعيد كل البعد في مزاجه عن فكر «القاعدة»، فهو
مجتمع منفتح نسبياً
وإطلاق 300 من سجناء التنظيم قبل أن يصار إلى مبايعة القيادي خالد باطرفي، الحضرمي الأصل، والسعودي المولد والجنسية، كأمير للمكلا.

ما بعد سقوط المكلا

أضحت سيطرة «القاعدة» على المكلا أمراً واقعاً، وعمت حالة من الفوضى ولا تزال تلك المدينة الوديعة، حيث سادت حالة من التسيّب المخيف، إثر اختفاء كل مظاهر الدولة الإدارية والأمنية، وانتشرت حالات السلب لبعض الممتلكات الخاصة، وأغلب الممتلكات العامة، وحرق بعض المقرات الحكومية، وتفرغ عناصر التنظيم لنهب البنوك الخاصة، وأمضوا حوالى 3 أيام يحاولون فتح خزنة البنك المركزي، حيث تمكنوا في الأخير من تفجيرها. واختفت بعد ذلك كل المبالغ النقدية التي يحويها البنك والتي تفوق العشرين مليار ريال يمني، وبعض المبالغ من النقد الأجنبي، التي هي في معظمها عبارة عن مرتبات موظفي الدولة في هذه المحافظة.
ثم اتجه التنظيم بعد ذلك إلى نهب البنوك الخاصة الأخرى في المدينة، بنكاً تلو آخر، مما وفر للتنظيم سيولة نقدية طائلة، لتغطية نشاطاته، وتنظيم شؤونه الأخرى، وعلى رأسها استقطاب عناصر جديدة وتدريبها من شباب المنطقة، ثم إرسالهم إلى جبهات القتال الأخرى. وهذا أمر معلن ولا يحتاج إلى أي إثبات، حيث صرح أمير التنظيم في إحدى المقابلات الصحفية، إنهم يقاتلون في جميع جبهات القتال من عدن وحتى صنعاء، مروراً بلحج وتعز والبيضاء ومأرب وغيرها، سواء كان ذلك عبر عناصر التنظيم في تلك الجبهات، المنضوين تحت مسميات «المقاومة الشعبية» في محافظات الشمال، أو «المقاومة الجنوبية» في محافظات الجنوب، أو كان ذلك عن طريق عمليات التفجير الإنتحارية، بالسيارات والأحزمة الناسفة، وخصوصاً في صنعاء، وقد رأينا كيف يستميت القائمون على تلك «المقاومات» في أنشطتهم الإعلامية، لينفوا وجود أيّ من عناصر «القاعدة» و«الدواعش» بين مقاتليهم، حيث أتضح انها مجرد كذبة واضحة، تفضحها تصريحات الرجل الأول في (إمارة المكلا الإسلامية).
من اللافت للنظر، أن بعض تصرفات التنظيم في أيامه الأولى، بدت غامضة، ويصعب تفسيرها، وتعطي انطباعا أوليا وكأن التنظيم يقوم بغزوة من غزواته العابرة، حيث يفجر ويهاجم أهدافه المحددة، وينهب البنوك، ثم يختفي مع ظهور ضوء النهار التالي، كما فعل بالضبط قبل حوالي سنتين، في ثاني أكبر مدن حضرموت بعد المكلا، مدينة سيؤن، حيث استمرت تلك الغزوة ليلة ساخنة من الاشتباكات، وتفجير خزائن البنوك، ثم أخذ غنائمه في اليوم التالي ورحل، وإلا فلماذا يهاجم ويفجر خزينة البنك المركزي مثلاً، إن كان جاء ليبقى ويقيم إمارة ويحكم؟
بقي فقط أن نلفت الانتباه، إلى أنه لم يسجل في المكلا بل وفي أغلب مناطق الساحل الحضرمي، أي حضور لافت لـ«القاعدة» من قبل، وإن وجد فهو حضور طارئ ومؤقت، كبعض العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم في المدينة، والتي كانت في معظمها، عبارة عن ضربات سريعة ومحددة، ثم الإنسحاب، أضف إلى ذلك أن المجتمع المحلي في المكلا، بعيد كل البعد في مزاجه الاجتماعي والسلوكي، وقطعاً الديني، كل البعد عن فكر القاعدة، فهو مجتمع منفتح نسبياً، كما أن وجود عناصر «القاعدة» فيه مكشوف، أي يسهل جداً، ملاحظة وجود تلك العناصر الغريبة أي من خارج نطاق المدينة وربما المحافظة، أو الغريبة أي من خارج نطاق اليمن كاملاً، حيث يضم التنظيم عددا غير قليل من تلك العناصر الأجنبية. وعلى العكس من ذلك، نجد أن التنظيم وعناصره قد يتماهون إلى حد ما مع المجتمع الحضرمي في المناطق الداخلية من حضرموت، وخصوصاً الريفية منها والبدوية، هناك في مجاهل حضرموت، حيث الأودية البعيدة الخالية.
لكل تلك الاعتبارات، كان الجميع يعتقد أنه إذا ما فكر التنظيم في استغلال ظروف وتداعيات «عاصفة الحزم»، فإنه سيتحرك وينشئ له كيانا ضمن هذا المجال الجغرافي، ولا أحد كان حتى يتخيل، أن يضرب التنظيم ضربته في المكلا، وعلى الرغم من الاعتقاد أن التنظيم بالفعل كان يفضل الخيار الأول، لكنْ هناك سبب مهم جداً، وهو بالمناسبة يصب أيضاً في ترجيح فرضية تسليم المكلا، لا سقوطها، ألا وهو أن في سيئون تقع قيادة المنطقة العسكرية الأولى، التي على رأسها قائد يدعى اللواء الحليلي، المصنف من قبل عناصر «القاعدة» وحزب «الإصلاح» الإخواني، أنه موالٍ للحوثيين، حيث يؤخذ عليه منهم، أنه قد حضر لقاء الإعلان الدستوري، الذي تلا سيطرة «أنصار الله» على العاصمة صنعاء، رغم أن الرجل قد أصدر بيان أعلن فيه موالاته لهادي، لكن في المجمل يدين المجتمع المحلي لحكمة هذا الرجل، الذي حيّد هذه المنطقة عن الصراع، بينما يتعرض لضغوط مستمرة كبيرة، لإرسال قوات من منطقته للقتال في جبهات أخرى، في صف مليشيات هادي و«القاعدة». في النهاية رأت «القاعدة» أن هذه المنطقة العسكرية، التي على رأسها هذا الرجل لن تسقط إلا بالقتال، وبالقتال لن يستطيع «التنظيم» السيطرة عليها، فآثرت السلامة بالذهاب جنوباً صوب المكلا، طالما أن قيادتها العسكرية مستعدة، أو ربما بادرت وعرضت عليها التسليم، فذهب التنظيم واستلم، هذا كل ما في الأمر.

قيام الإمارة

بعد أن استتب الأمر لـ«القاعدة»، أعلنت أنها بصدد تسليم المكلا لهيئة من أبنائها لتدير أمورها، فانبرى لذلك تجمع قبلي محلي، يدعى «حلف قبائل حضرموت»، وأبدى استعداده لإرسال أعداد من أبناء القبائل، لحفظ الأمن في المدينة، ومن ثم تشكيل أي اطار مناسب يراه، لتولي شؤون هذه المدينة، في هذه الفترة الإنتقالية الحرجة، إلا أن «القاعدة» سرعان ما نكث بوعوده، متذرعاً بأن «الحلف» لا يمثل كل شرائح المجتمع المحلي الحضرمي، ويبدو أن «القاعدة» رأت أن «الحلف» لديه القدرة والوسائل للقيام بذلك الدور، وبالتالي لن يستطع أن يختبئ وراءه، أو استخدامه صورياً، كما أن موقفه السياسي لم يجده «القاعدة» مطمئناً، فقد ظل «الحلف» يراقب الأحداث بصمت، والتزم الحياد النسبي، ويُتهم كثير من رموزه ومشايخه بموالاة الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وقد استمر ذلك حتى قرب مؤتمر الرياض، حيث تعرض لحملة ضغوط قوية من السعودية، مترافقة مع بعض الإغراءات، مما دفع «الحلف» لإصدار بيان أعلن فيه تأييده للرئيس الفار هادي.

لم يستهدف التحالف القصر الجمهوري
في المكلا، حيث يسكن أمير «القاعدة»


وذهب رئيس «الحلف» ومندوبون مختارون للمشاركة ضمن مؤتمر الرياض الفاشل، وظلوا هناك ولم يعودوا، ولإعطاء أنفسهم (أي القاعدة) شرعية أكبر من شرعية «الحلف»، وللهروب من حساسية الداخل والخارج على حد سواء، تجاه إسم «القاعدة»، سموا أنفسهم (أبناء حضرموت)، وهو مسمى أعم وتنضوي تحته كل شرائح المجتمع الحضرمي، مع حقيقة أن التنظيم يضم الكثير من العناصر اليمنية الأخرى من خارج حضرموت، ناهيك عن عناصر كثيرة أخرى من خارج اليمن كله، بل بعض منها ليست عربية. الغريب أن هذه التسمية السياسية المبتذلة للتنظيم، لم تلق رواجاً حتى من قبل الأقلام المحلية المحسوبة على التنظيم نفسه، والمستفيدة منه، ولم تحظ بأي تداول في الإعلام الخارجي الأجنبي، أو العربي حتى ذلك المشارك منه في العدوان، ما عدا بعض محطات التلفزة والصحف السعودية التي تداولت هذه التسمية، وإن كانت أحياناً نقلاً عن أعضاء حكومة هادي، وهنا ينبغي أيضاً عدم إغفال هذه الإشارة البيّنة، التي تدل على تبني المملكة لهذا التنظيم ومحاولة تلميعه.
أصبحت حضرموت مقسمة إلى ثلاث مناطق سيطرة: السهل الساحلي ويقع تحت سيطرة «القاعدة»، الهضبة الجبلية الجنوبية، حيث أوكلت مهمة حماية الشركات النفطية، لتجمع «حلف قبائل حضرموت»، حسب اتفاق تم بين «الحلف» وقائد المنطقة العسكرية الأولى في سيئون، ثم الجزء الثالث والأخير والذي يضم المناطق الداخلية من حضرموت، حيث وادي حضرموت الكبير، وتجمعاته الحضرية والقروية، بالإضافة لصحارى العبر وثمود، ويخضع لسيطرة المنطقة العسكرية الأولى في سيؤن.
وأنشأ التنظيم لإدارة نشاطاته، عددا من الإدارات الخاصة به، منها «دار الإمارة»، وتتخذ من القصر الجمهوري مقراً لها، حيث مقر الحكم، ومسكن أمير التنظيم، ولعله مناسب هنا، أن نسجل إشارة مهمة أخرى، فقد تم استهداف أغلب إن لم يكن جميع القصور الجمهورية، في كل المحافظات، عدا القصر الجمهوري في المكلا، حيث يسكن أمير «القاعدة»، ثم إدارة الأمن، التي تعنى بالشؤون الأمنية، وهيئة الحسبة، التي تهتم بمراقبة السلوك الإسلامي للمجتمع، وإدارات أخرى كهيئة الفتوى، التي أنشئت تحت لواء «هيئة كبار علماء السنة»، واتخذته كغطاء ديني لها، وأغلب أعضاء هذا المجلس هم ممن قاموا باستدعاء «القاعدة» لاحتلال المدينة في البدء، وإدارة بيت مال المسلمين، وإدارات أخرى.
وتولى عناصر التنظيم عملية الإرشاد الديني، والدعوة عبر مكبرات الصوت على سيارات تجوب الشوارع، في مواعيد الصلاة، أو بالتضييق على حركة حرية المرأة في الأسواق وسلوكها العام، وتطبيق بعض «الحدود الشرعية» كجلد شاربي الخمر في الساحات العامة، وكذلك الزناة، ومطاردة ذوي قصات الشعر «الغريبة» من الشباب. وأعدمت في ساحات عامة بعض أعضائها، ممن اتهمتهم بالخيانة، واعتقلت بعض أبناء المدينة بتهم مختلفة، كما أسس بعض المحاكم الميدانية للفصل في بعض القضايا البسيطة (وفق الشريعة)، لكن في المجمل ركز «القاعدة» بشدة على ما يمكن تسميتها الجوانب الطقسية التعبدية، مهملة بقصد باقي جوانب الدين والحياة المهمة. كما حاولت مضاعفة الضرائب المفروضة على نبتة القات الآتية من المحافظات الشمالية، انتهاء بمنعه نهائياً، وفرض غرامات كبيرة على متعاطيها، وغير ذلك من الشكليات اليومية، وطقوس العبادة. ناهيك عن تدشين التنظيم لحملات تكسير وهدم الأضرحة والقباب التي يمثل بعضاً منها قيمة دينية وتاريخية أو أثرية هامة، وما يمثله ذلك من قمع للتنوع، واحترام حرية المذهب والعبادة، والتهديد بنسف متحف المكلا، لاحتوائه على «اصنام». وأوكل مهام الإدارة لـ«المجلس الأهلي» الصوري الذي إنحصر جل نشاطه في منح تراخيص استيراد المحروقات لبعض التجار، بينما فرض على تلك السلع ضرائب متفاوتة من شحنة لأخرى، وهو ما مثّل موردا ماليا إضافيا للتنظيم، والبحث عن شحنات المازوت كوقود لتشغيل محطة كهرباء المدينة، بتمويل من هنا أو من هناك. وما تلبث أن تأتي شحنة حتى تنفد أخرى، حيث يصل معدل ساعات انقطاع الكهرباء أحياناً إلى 24 ساعة، أي إلى يوم كامل من غير كهرباء، في صيف وصلت درجات حرارته إلى أرقام غير مسبوقة، ومعدل الرطوبة فيه كان خانقاً. كل ذلك جعل المواطن في المدينة يعاني معاناة قاتلة، وتسبب ذلك في حالات نزوح كبيرة من سكان المدينة، باتجاه المدن الحضرمية الأخرى الداخلية نظراً للظروف المعيشية الصعبة في المدينة، ناهيك عن إيمان الناس بأن هناك وضعا سيئا، وأن هناك صراعا مؤجلا آتيا لا محالة، ينتظر المدينة وسكانها وحكامها الجدد. وقد حاول «المجلس الأهلي» استمالة الناس وكسبهم في صفه، إلا أن أحداً لم يتجاوب معه، فالأهالي لا ينظرون للمجلس، إلا كمجرد غطاء سياسي لتنظيم «القاعدة». وقد حاول المجلس إعادة الأمور إلى طبيعتها قبل الغزو، لكنّ أحداً لم يستجب، وتوقفت كل إدارات الدولة، عدا بعض المرافق الخدمية والصحية والتعليم، وقد قام رئيس المجلس بزيارة للسعودية مؤخراً، حيث استقبل هناك، وحظي ببعض الدعم المالي ثم عاد.




«حضرموت العسكرية»


تعمل في حضرموت قيادة إحدى المناطق العسكرية الست في البلاد، وهي المنطقة العسكرية الثانية، التي تضم عددا من التشكيلات العسكرية المهمة، وعددها 6 ألوية عسكرية، تقع 4 منها ضمن مناطق ساحل حضرموت التي أسقطتها «القاعدة»، وهي الألوية 27 ميكا، 123 مشاة، 190 دفاع جوي، ولواء حماية الشركات النفطية، بالإضافة إلى عدد من الكتائب القتالية العالية الكفاءة (كتيبة حرس جمهوري، كتيبة قوات خاصة، كتيبة صواريخ، كتيبة دفاع ساحلي، كتيبة نجدة مدرعة)، وتمتلك تلك الوحدات عتادا حربيا كبيرا من الأسلحة الثقيلة والآليات المدرعة، وناقلات الجند المصفحة، بالإضافة إلى الدبابات والمجنزرات والمدافع والزوارق الحربية، وأنظمة الدفاع الجوي المختلفة، والمضادات الجوية. ويبلغ تعداد قوام هذه التشكيلات العسكرية آلاف الجنود والضباط، فكيف استطاعت مجموعة مكونة من 200 فرد، أو 300 على أكثر تقدير، بأسلحة متوسطة، من رشاشات وقاذفات «آر بي جي»، وبعض الهاونات، من التغلب على تلك القوة الضاربة، في غضون يومين فقط من القتال الإفتراضي، فهذه قصة أخرى، وفصل آخر من مسرحية هزلية لا تنطلي على أسذج البشر، ضمن سيناريو مطابق لسيناريو سقوط الموصل في يد «داعش»، سقطت المكلا بيد «القاعدة».




القادم المجهول

يسود الأوساط الشعبية في حضرموت قلق عام، مما ينتظرهم من أحداث محتملة في ظل سيطرة «القاعدة». معروف أن حضرموت، وحتى وقت قريب كانت كلها في الغالب تتبع المدرسة الصوفية، إلا أن هذه المدرسة الدينية ترهلت وضعفت في العقود الأخيرة، ولم تستطع أن تقاوم المدّ الوهابي الإقصائي القادم من الجوار، وما صاحب ذلك من ضخ مالي كبير. إذ أسّست المدارس الدينية الوهابية، وبُنيت المساجد الجديدة في أغلبها بأموال قادمة من السعودية، كذلك أرسلت البعثات التعليمية الدينية الحديثة في مجملها إلى جامعات المملكة. ونشأت أجيال كاملة تربت وتعلمت في مدارس المملكة وجامعاتها. كل ذلك أسهم في انتشار الفكر الوهابي على حساب المدرسة الصوفية المتراجعة. وتعتبر مدن وبلدات الداخل الحضرمي، كسيؤن، وتريم، وحريضة وكثير غيرها، من أهم مراكز المدرسة الصوفية في حضرموت، وجنوب الجزيرة عموماً، حيث تنتشر فيها مراكز الصوفية ومزاراتها وأضرحتها ومساجدها.
وشهدت المحافظة ثلاثة أنواع من التجنيد: تجنيد يقوم به تنظيم «القاعدة» عبر استقطاب عناصر شابة، تعاني من البطالة، ويقوم بتدريبهم وتسليحهم وإرسالهم إلى مختلف جبهات القتال المستعرة في الوقت الحالي، ويدخر بعضهم استعداداً لصراع قادم، بالإضافة إلى عمل التنظيم على استمالة بعض القبائل المحلية، وتزويدهم بالأسلحة أو بيع بعضها لهم. النوع الثاني تقوم به «هيئة الدفاع الوطني»، حيث يشرف عدد من الضباط الحضارم المتقاعدين، على تدريب المجندين الشباب وتهيئهم لصراع قادم، تحت مسميات مختلفة، ثم النوع الثالث وهو الأخطر، الذي تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة، بالتنسيق مع «حلف قبائل حضرموت»، عبر فتح ثلاثة معسكرات تجنيد وتدريب في المحافظة، نظير مبالغ مالية شهرية كبيرة، استناداً إلى سعر صرف الدرهم الإماراتي المرتفع مقابل الريـال اليمني. أحد تلك المعسكرات في صحراء العبر، قصفه من طريق الخطأ طيران التحالف، وأدى إلى مصرع العشرات، وهو متاح لمنتسبين من عموم اليمن، وثمة معسكران آخران مخصصان فقط لأبناء حضرموت، أكبرهما يقع في عمق صحراء ثمود في منطقة رماة.