القاهرة | لا يترك السياسيون الحقيقيون أي فرصة تمكنهم من كسب أرض جديدة وزيادة جمهورهم إلا يعملون على الوجود فيها، لكن لاستغلال هذه الفرص قواعد، قد تسعى بعض القوى إلى تكسيرها من أجل مصلحتها فقط. حديثٌ ينطبق على حالة سلفيي مصر، الذي هم حلفاء دولة ما بعد «30 يونيو»، وكانوا حلفاء «جماعة الإخوان المسلمين» سابقاً. وقبل هذين الحلفين، هم حلفاء «أمن الدولة» في زمن حسني مبارك (أصبح اسمه الأمن الوطني بعد ثورة 25 يناير).


لم يمل السلفيون في مصر من أداء دور الوصيف لأي نظام، بل هم حتى الآن الأبرع في فعل ذلك. وفي عهد عبد الفتاح السيسي، يمارسون دورهم برضى كامل منه، برغم أن دستور البلاد المعدل يقول في مادته 74 إن الأحزاب لا تؤسس على أي مرجعية دينية، فيما بقي «النور» قائما حتى الآن، بل إن قوائمه الانتخابية (ترشح الحزب على قائمتي غرب الدلتا والقاهرة) سارية وحظوظ فوزها في الانتخابات قوية.
اليوم، في صلاة العيد يُظهر السلفيون قوتهم، تحديداً قواعدهم المنتشرة على مستوى الجمهورية، ولا سيما في الأماكن البعيدة عن الإعلام، وبالطبع عن «اللجنة العليا للانتخابات». يقابل ذلك موقف رخو لوزارة الأوقاف، فيما يتكرر الصراع التقليدي بين الطرفين على إدارة ساحات العيد وصلاتها.
ومن المعروف أن وزير الأوقاف، مختار جمعة، يكره السلفيين، لكنه لا يستطيع منعهم من الخطابة وإبعادهم عن المساجد، فيما لا ترى الرئاسة نفسها أي غضاضة في ذلك، ولا في دخولهم الانتخابات الآن والبرلمان مستقبلاً. ولأن جمعة يعرف أن ساحات العيد منصة أساسية في الدعاية الانتخابية في مصر، التي تجمع عددا كبيرا من الناس، خرجت وزارته ببيان لتؤكد فيه أنه سيمنع استغلال ساحات العيد في الدعاية لأي مرشح.
وخصت «الأوقاف» السلفيين في بيانها بفقرة: «من غير المسموح به تخصيص مساحة لصلاة العيد سواء للسلفيين أو لغيرهم لأهداف سياسية»، مضيفة: «الوزارة لن تمنح تصاريح للدعوة السلفية لإقامة ساحات لصلاة العيد، وستتخذ الإجراءات اللازمة تجاه أي محاولات لإقامة صلاة العيد في الشوارع أو ساحات تابعة لجماعات معينة».
وبينما لم تقل الوزارة ما هي إجراءاتها وكيف ستفعلها، لا يبدو أن السلفيين يعبأون بمثل هذا البيان، وخاصة أن خطابهم يتمثل في قول «النور» عن نفسه إنه حزب سياسي لا يمكن أن يقوم مرشحوه بالدعاية لأنفسهم ومخالفة تعليمات «لجنة الانتخابات» بمنع الدعاية في دور العبادة، لكنه ــ الحزب ــ طبعا لا يمانع أن تفعل «الدعوة السلفية» ذلك، بما أنها وفق تصريحاته شيء، وهو شيء آخر.
يقول سكرتير «الهيئة العليا لحزب النور»، أحمد رشوان، إن الحزب لا علاقة له بالمصليات (ساحات الصلاة)، لأننا «حزب يلتزم حظر الدعاية الانتخابية في هذه الأماكن، بل أبلغنا عن مخالفات بقيام مرشح لقائمة في حب مصر بالدعاية لنفسه في أحد المساجد». وأضاف: «الدعوة السلفية بإمكانها فعل ذلك لأنها غير الحزب تماما، فهي جمعية الدعوة الخيرية». ويزيد رشوان بضرب مثال على «الشيخ (السلفي) ياسر برهامي الذي هو خطيب للأوقاف وليس لنا علاقة به».
يشار إلى أن منطقة نفوذ السلفيين المعروفة هي الإسكندرية، التي خصصت فيها وزارة الأوقاف 288 مكانا أو ساحة للصلاة، وهو ما يستدعي السؤال: إن كانت كل هذه الأماكن الكثيرة تابعة للأوقاف وخطباء الوزارة، فأين ستكون ساحات السلفيين؟
على أرض الواقع، فإن لدى السلفيين قدرة على حشد من يعرفون بـ«خطباء المكافأة» الذين يعملون من خارج الوزارة ويخطبون في الجمع والأعياد. هكذا ظاهريا سيكون هناك خطيب مصرح له من «الأوقاف» بالحديث إلى الناس.
فكرة تخصيص «الأوقاف» أماكن معينة لصلاة العيد (بلغت 4683 ساحة في محافظات الجمهورية) لا تعجب عموما الشيخ محمد حماد، وهو أحد كبار خطباء الوزارة والإمام السابق لمسجد الرفاعي التاريخي في منطقة القلعة. يقول: «يجب أن تمنع تصريحات الساحات، لأن لدينا مساجد تسع جميع المصلين». كذلك يرى عدد من الشيوخ في الوزارة أن غياب رؤية واضحة لدى السيسي اتجاه الأحزاب الدينية يساعد على تموضع «النور» كما يشاء.