كل ما يجري في هذه الحياة من فشل وفوضى يسوق بنا الى الهاوية. لا أعني بالهاوية نهاية العالم حرفياً او جيولوجياً. فنهاية العالم بالنسبة إلي هي في فقدان أرواحنا. ان تترك سواد الفحم يصبغ داخلك دون مقاومة منك. ان تترك الحزن يتسلق روحك كعريشة عنبٍ في قرية سكنتني لكني لم ألمس ترابها يوماً في حياتي. هي نهاية الحياة بالنسبة إلي ان تعيش قلقاً دائما كما اعتدت أيام الحرب، مستعداً للرحيل كما فعلت مرارا وما زلت.


ان تتصرف كمهاجر دائم بلا وطن فلا بيت يشعرك بالهدوء ولا عائلة تعطيها ما يكفي من الفرح وقوداً للأيام المقبلة. تغدو الحياة هكذا مؤلمة كطفل حُرم مصروف العيد، وكي أوراق النقود لتبدو جديدة وكأنها "طالعة من البنك"، بحسب ما يردده الأطفال عن اهلهم. كولد لم يتذوق لحظة تعليق ثياب العيد على حافة الشباك بجانب سريره مساءً، حتى تكون اول ما يراه حين يشق جفنيه فجراً على صوت تكبيرات المسجد. ثم يسرع ليذهب مع أمه الى المقبرة لإلقاء التحية على من رحلوا، فيترك امه تدخل ويقف على باب المقبرة ليجمع الحلوى من النسوة الطاعنات في السن. ثم يعود الى البيت بجيوبه المليئة بقطع الشوكولا المغلفة وحلوى النوغا.
هي حياة جارتنا "ثرية"، مثلها مثل بعض الفلسطينيين الذين لم يستيقظوا بعد من صدمة انهيار احزابهم وجبهاتهم في الثمانينات من القرن الماضي ولا يزالون يتمسكون بكل الذكريات المتعلقة بخروج المقاتلين من لبنان يوم انسحاب المقاومة الفلسطينية. وكأنهم لا يدركون ان ما حصل لا يمكن العدول عنه، فالماضي غير قابل للتغيير حتى وإن كنت نبياً مرسلاً! بت مقتنعة بأنها، حتماً، لا تعي في أي عام نحن الآن، فهي ما زالت تفتح الراديو الصدئ باكراً، تحرك بطارياته التي ستفرغ بين الحينة والأخرى، تضع شوكة طعام مكان عمود الارسال الرفيع، تحركها باتجاهات مختلفة لتحصل على صوت خال من التشويش، ثم تقلب بين ترددات موجاته حتى تثبت على صوت فيروز. تضع ركوة قديمة على الغاز وتعد القهوة لتشربها وهي تتصفح أوراق الجريدة.
لا تؤمن ثرية بالتلفاز وبجهاز التحكم عن بعد (الريموت كونترول) فهي لا تجيد استخدامه بسلاسة حتى اللحظة، تماما مثل عدم ايمانها بالعيد. فالعيد كما تقول، لم يعد كما كان أيام الثورة "زمان كانوا الناس حقيقيين، كنا نتصل ببعض واحنا وعنجد مبسوطين، نتمنى الخير بصدق، نعمل الكعك بالتمر والحلويات بإيدينا ونتبادلها بين بعضنا بعضا. كنا نتباهى انا وصاحباتي عندما نأخذ سُلفة من رواتبنا ونشتري فساتين. "بعدني بتذكر لمن لبست الفستان الأحمر ولبقتله سكربينه الها قشاط عريض بيتلفيه لقبل الركبة بشوي. وقتها كان التياب حلوين وكانوا الرفاق يقولوا عني اني أنيقة و فساتيني متل الممثلات بالسينما. هلق العيد ما اله طعمة متله متل حيلا يوم عادي".
من المستحيل ألا تلاحظ ان تلك الحقبة الزمنية مسيطرة بالكامل على ثرية وانت تراها تمشي الى المكتبة، تستعير كتاباً لتقرأه ثم ترده الأسبوع المقبل وتعود بكتاب جديد وبمعارف قليلة التقتهم اثناء بحثها عن كتاب الأسبوع. تعتقد ان جميع من تتعرف عليهم يمكن ان يصبحوا أصدقاءَ لها، لكنّ ايَّاً منهم لم يكن كما تخيلته. تجلس في غرفتها، حيث القصص والروايات مكومة بجانب سريرها، تفتح الكتاب الذي أحضرته أخيراً وتبدأ بقراءته. تدوّن منه على دفتر قديم مليء بالملاحظات بين الوقت والآخر ثم حين تتعب عيناها، تسحب نظاراتها ببطء وتضعها في علبتها.
لا ترى شيئاً يستحق العيش لأجله. أيام كانت تجيد استخدام البندقية، كان للحياة هدف أسمى، كان الخير واضحاً كما الشر، والعدو واحداً صُوبت البنادق جميعها نحوه. أما اليوم، فلا شيء يستحق سوى الذكريات. الذكريات هي وقودها حتى تنطفئ.