القاهرة | غزة | انطلاقاً من نيويورك، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى توسيع اتفاقية السلام مع إسرائيل (كامب ديفيد) لتشمل دولاً عربية جديدة في إطار «جهود حل القضية الفلسطينية» وفق رؤيته، رابطاً ذلك بضرورة «التعاون بين دول الشرق الأوسط لمواجهة التهديد الإرهابي المتفاقم».


السيسي، الذي تحدث في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية أمس، على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، رأى أنه «يكفى إلقاء نظرة على الخريطة لمعرفة الدول التي تعاني من الفشل: هناك تزايد في أنشطة الجماعات المتطرفة، هناك مشكلة اللاجئين الذين يتدفقون على أوروبا. مع وضع كل ذلك في الاعتبار، يمكننا الشعور بأن التحدي صعب ومعقد».
وأضاف: «لا أريد أن أقول إننا تأخرنا في القيام بما يجب علينا القيام به، لكن هزيمة ذلك التهديد ستتطلب الكثير من الجهد، ليس فقط الكثير من الجهد، ولكنها في واقع الأمر تنطوي على كمية لا بأس بها من التفاهم والتعاون من كل دولة لإنقاذ البلدان التي تتجه نحو هذه الحلقة المفرغة من الفشل». بهذا الفهم، انطلق الرئيس المصري من أن الخطر الإرهابي، الذي يمثله تنظيم «داعش» وما لفّ حوله، أعلى من الخطر الإسرائيلي، لذلك «على منطقة الشرق الأوسط التعاون من أجل إلحاق الهزيمة بالتهديد الإرهابي المتفاقم الذي أفضى إلى حرب شرسة في مصر، وعرّض بعض الدول لخطر الانزلاق إلى الفشل». ولعل استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» بات ضمنياً يعني إسرائيل، وفق الدعوة إلى توسيع إطار «السلام».
واستنتج أنه يجب «تجديد جهود حل القضية الفلسطينية»، لأن ذلك «سيغير وجه المنطقة، ويحدث تحسناً كبيراً في الوضع»، لافتاً إلى أهمية توسيع اتفاقية التسوية بين مصر وإسرائيل لتشمل المزيد من البلدان العربية. بعد ذلك انتقل إلى الحديث عن سوريا، بالقول: «نحن حريصون للغاية على بقاء سوريا دولة موحدة ونعارض تقسيمها إلى دويلات صغيرة. انهيار سوريا يعني سقوط جميع الأسلحة والمعدات في أيدي الإرهابيين، الأمر الذي سيمتد خطره إلى جيرانها وسيشكل تهديداً خطيراً لبقية دول المنطقة».
وفي الوقت نفسه، حرص السيسي على تقديم ذاته على أنه يحكم مصر بطريقة ديموقراطية، وهو ما يعزز النظر إلى العفو العام الذي أصدره قبيل سفره كونه ينطوي تحت التسويق لنفسه. وقال إنه «مستعد للعفو عن صحافيين آخرين حوكموا وأدينوا غيابياً»، مشدداً على أن ذلك سيكون وفقاً لصلاحياته، فيما سيحترم سلطة القضاء.


«السلطة موقعها على معابر غزة وليس في المقاطعة فقط»


وبما أن الشأن الفلسطيني كان شاغلاً له، فإنه التقى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وأوضح له أن انتظام العمل في معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة مرهون بإعادة خضوع القطاع للسلطة، مؤكداً أن هذا الأمر سيساهم في تحسين حياة أهل غزة وتوفير احتياجاتهم اليومية. وبيّن أنه حريص على «إطلاع أبو مازن على جميع الخطوات التي يجري اتخاذها».
مصادر فلسطينية قالت إن اللقاء الثاني الذي جمع الرئيسين المصري والفلسطيني خلال أقل من 20 يوماً، شمل الحديث عمّا سيفعله عباس في الأمم المتحدة. وفيما كان حديث السيسي عن توسيع «إطار السلام»، وركز على «ضرورة» تسلّم السلطة معابر غزة، كان ردّ «أبو مازن» شنّ هجوم على حركة «حماس» التي قال إنها «ترفض تسليم المعابر لأنها تعتقد أننا نتحضر للانقضاض عليها»، كذلك فإنها «تريد المحافظة على أهل غزة كسلعة في يدها... حماس لن ترضى تسليم معبر رفح بالمطلق، لأنهم لا يريدون للسلطة أن تتحكم في إدخال المواطنين وإخراجهم خشية على عناصرها، ولن ترضى بضابط في السلطة يدير المعبر». وأضاف: «العنف المسلح لن يجلب لحماس إلا مزيداً من التفتت للوعي الفلسطيني بأهمية الكفاح السلمي».
السيسي ردّ على عباس بتأكيد أن «السلطة موقعها على معابر القطاع وليس في المقاطعة فقط... الناس في غزة تعتقد أن مصر هي التي تمنعها من أن تتحرك وتسافر». وبشأن الأحواض المائية المنشأة على المنطقة العازلة في مدينة رفح، قال: «حوض الماء التنموي مستمر، وإذا اقتضت الحاجة ستجري توسعته أفقياً بالعرض... خلال أسابيع سيتم الانتهاء ممّا تبقى من الحدود، وتم إنجاز 9 كلم من أصل 14».
وتذكر المصادر نفسها أنه لم يكن في وارد السيسي الاهتمام بغزة والمعابر حولها إلا لأنه لا يريد المزيد من الإزعاج من مجالس حقوق الإنسان، وخصوصاً في ظل الضغط الدولي لتجنّب حروب جديدة في القطاع. وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد اتهمت مصر، الأسبوع الماضي، «بانتهاك القانون الدولي» في سيناء بتدميرها «آلاف المنازل» والمزارع وتهجيرها ثلاثة آلاف أسرة لإقامة منطقة عازلة على حدودها مع القطاع. وفي تقرير من 84 صفحة، قالت المنظمة التي تتخذ من نيويورك مقراً، إن «الجيش دمّر أحياءً بكاملها ومئات الهكتارات من الأراضي الزراعية... بذلك تكون مصر خرقت قانون الحرب».
هذا الحديث يتطابق مع ما أعلنته الرئاسة المصرية، التي بينت أن «الإجراءات التي تتخذها مصر من أجل تأمين حدودها الشرقية تتم بتنسيق كامل مع السلطة الوطنية الفلسطينية ولا يمكن أن تهدف إلى الإضرار بالأشقاء الفلسطينيين في غزة، ولكن هدفها المساهمة في الحفاظ على الأمن القومي المصري». وهو ما يتشابك مع الاتهام نفسه الذي حملته «حماس» ضد «أبو مازن»، فقد قال المتحدث باسم الحركة، سامي أبو زهري، أمس، إن «التصريحات المصرية حول التنسيق مع السلطة بشأن إغراق الأنفاق... دليل قاطع على المؤامرة التي يقودها عباس لخنق غزة».
في المقابل، شدّد السيسي، خلال اللقاء، على أن «القضية الفلسطينية ستظل قضية العرب المحورية» وفي مقدمة أولويات السياسة الخارجية المصرية، مشيراً إلى أن هناك اهتماماً كبيراً بالمضي قدماً في عملية إعادة إعمار غزة وألا تتوقف عند البعد الإنساني، بل «تمتد لتشمل بثّ الأمل في نفوس الأشقاء الفلسطينين في غد أفضل».
هذا الحديث، قابله بيان صادر عن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، رحّب فيه بتصريحات السيسي ومواقفه. وورد في البيان أن «الحكومة الإسرائيلية ترحّب بدعوة السيسي إلى توسيع دائرة السلام مع إسرائيل لتشمل دولاً عربية أخرى». كذلك جدد البيان دعوة محمود عباس إلى «العودة إلى طاولة المفاوضات، من أجل التقدم في العملية السلمية».
في السياق نفسه، رأى رئيس حزب «هناك مستقبل» والوزير السابق يائير لابيد، أن تصريح الرئيس المصري يثبت أن هناك فرصة للتوصل إلى تسوية إقليمية مع الدول العربية المعتدلة، وقال لابيد إن «المصالح المشتركة بين الجانبين، والمتمثلة في مكافحة الإرهاب، تخلق فرصة لمثل هكذا تسوية، ما يسمح بتشكيل محور يضم الدول المعتدلة ضد إيران وضد تعاظم الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، ويسمح لإسرائيل بالمحافظة على مصالحها الأمنية واستمرار وجودها كدولة يهودية».




لقاءات الرئيس المصري لن تشمل أوباما

أحمد جمال الدين
التقى عبد الفتاح السيسي عدداً من المستثمرين الأميركيين والرئيس الأسبق بيل كلينتون، إضافة إلى وزير الخارجية الأسبق هنري كسينجر، ورئيسي وزراء إيرلندا والهند، فيما أطلقت شركات مصرية خاصة لافتات دعائية في نيوريوك لتشجيع الاستثمار الأجنبي في مصر بتكلفة تجاوزت 300 مليون دولار. لكن وزير الخارجية، سامح شكري، أعلن أن أجندة اللقاءات لا تشتمل لقاءً منفرداً مع الرئيس باراك أوباما، فيما أكد أن تحضيرات مصرية ــ سعودية تجري في نيوريوك لتحديد موعد زيارة الملك سلمان للقاهرة. كذلك التقى السيسي المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي أكدت أن انتخاب البرلمان في مصر سيكون خطوة مهمة لإثراء الحياة الديموقراطية. وترأس السيسي، أيضاً، لجنة الرؤساء الأفارقة المعنية بتغيير المناخ، وتم الاتفاق على إطلاق مبادرة الطاقة المتجددة في أفريقيا، كذلك شارك في لقاء التعاون بين دول الجنوب الذي دعا إليه الرئيس الصيني. ومن المقرر أن يلتقي الرئيس المصري، اليوم، نظراءه الفرنسي والبنمي والقبرصي، إضافة إلى رؤساء وزراء إيطاليا وهولندا ولبنان، فيما يعتبر لقاؤه مع هولاند الأهم، لأنه سيشمل مفاوضات حول صفقات عسكرية، بعد إعلان حصول القاهرة على حاملتي الطائرات الفرنسية «دي ميسترال».