تعتقد الرياض أن الأمور في اليمن لا تزال تحت سيطرتها، بالنظر إلى ظنّها أن الحصار المطبق على شمال البلاد سيدفع الناس إلى فكّ ارتباطهم بـ«أنصار الله». ترى القيادة السعودية أن الغارات المكثفة ــ مثلما فعلت في عدن ــ ومن ثم الزج بجنودها في الميدان، سيكسبانها المزيد من المناطق وصولاً إلى صنعاء. هكذا تدير السعودية حربها، معتمدةً في الدرجة الأولى على الدعم اللوجستي والسياسي من واشنطن. فمهما علت أصوات المنظمات الإنسانية، ليس بمقدورها خرق جدار قاعة مجلس الأمن.


الخيار السعودي بالحسم العسكري في صنعاء قد يكون أكثر ثباتاً بعد تطورات جنوب اليمن. فهي التي بنت استراتيجيتها على قاعدة أن «الطريق إلى صنعاء تمر بعدن».
لم تُجد الأذرع المفتوحة لعناق القوات الإماراتية أو الموالين للرئيس الفار عبد ربه منصور هادي في الجنوب. فللحراك الجنوبي فلسفة واضحة: «نريد الجنوب والانفصال... شكراً لكم على المساعدة... الشمال لا شأن لنا به». جلّ أهل الجنوب يؤمنون بهذا الخيار، يستثنى منهم الموالون لهادي، وهؤلاء هم قلة قليلة مستعدة لحمل السلاح والذهاب إلى الشمال للقتال. المجموعات السلفية التي لها ارتباط بالسعودية وحدها لبّت نداء الرياض للقتال في الشمال، بينما تتفرغ الجماعات المتطرفة بمشتقاتها القاعدية والداعشية لتثبيت إماراتها في الجنوب.
الجنوب ليس أرضاً خصبة لها كما كانت تشتهي السعودية. فرجلاها الأساسيان، هادي وخالد بحاح، لم يُستقبلا بالورود في عدن. الأخير كانت التظاهرات المطلبية تسدّ طريق مقرّ حكومته، أما الثاني فعاد تحت جنح الظلام، متستراً به ومحتمياً بالقوات الإماراتية. فهادي المرفوض جنوبياً لتاريخه في قيادة حرب 1994، معروف أيضاً بعصبيته المناطقية واعتماده على أبناء محافظة أبيَن في تعيينات الجيش ومؤسسات الدولة.
لهذه الأسباب، التفّت السعودية على محافظات الجنوب، لتتخذ من مأرب منطلقاً لهجومها الحاسم نحو صنعاء، فتسقط قواتها في فخاخ الجيش اليمني و«أنصار الله»، قبل أن تتلقى «النبأ الصاعق»: أكثر من 300 قتيل ومئات الجرحى في ضربة واحدة في عملية مأرب. تثور ثائرة الرياض وتنتقم لانتكاستها برمي الحمم على صنعاء. تلهب الأرض، تحرق البشر والحجر، تمطرها بالنار على مدى أسبوعين، تظن أن الوقت حان لدخول العاصمة، فتتلقى أجهزة اتصالاتها أخبار الخسائر مجدداً. في أيام قليلة، أحرق الجيش و«أنصار الله» أكثر من 130 آلية لقوات التحالف في مأرب، أكثر مما خسرته مصر خلال خمس سنوات في حربها في اليمن. استعدّ الجيش و«أنصار الله» للمعركة جيداً. وجدوا في انسحابهم التكتيكي من الجنوب وإعادة انتشارهم وفق حرب العصابات الأسلوب الأنجع للمواجهة. تقول مصادر خاصة لـ«الأخبار» إن الحركة لديها من الاستخبارات في جميع الجبهات ما يسهّل عليها الاستعداد لأي عملية لقوات التحالف. لا بل تستعد لاحتمال غزو بحري من جهة الحُديدة أو إرسال لواء كامل من الجيش السوداني إلى اليمن لينضم إلى المجموعات القتالية الإماراتية والبحرينية والقطرية.
حركة «أنصار الله» ترى أن الأوضاع أصبحت لمصلحتها الآن. فالحصار الاقتصادي يتراجع، وتخف وطأته على المواطنين بفعل انسياب البضائع من الجنوب إلى الشمال. عسكرياً، أعاد الانسحاب من الجنوب تجميع القوات و«اللجان الشعبية» بعدما كانوا ينتشرون في طول البلاد وعرضها، ما جعل صنعاء والمحافظات الشمالية أكثر تماسكاً.
كل ذلك أعطى دفعاً للجبهة الشمالية؛ الجيش و«أنصار الله» يدخلون العمق السعودي، ويسيطرون على مناطق كاملة، في جيزان ونجران وعسير. مصادر خاصة تؤكد لـ«الأخبار» أن العديد من هذه المناطق تم دخولها منذ أشهر. ويعود نجاح عملياتهم في الداخل السعودي إلى علمهم «استخباراتياً» بتحركات الجيش السعودي على الأرض مسبقاً. يضيف المصدر أن العديد من الأسلحة المهمة نقلت إلى الداخل السعودي في إطار إدارة المعركة.
«أنصار الله» مرتاحة اليوم أكثر من السابق. لا تزال الأمور تحت سيطرتها عسكرياً. سياسياً، هي مستعدة للحوار والبحث عن مخرج سياسي. أما الرياض فتبدو أكثر تخبطاً في هذه المرحلة، إذ إن غضبها دفعها إلى ارتكاب بعض «الخطايا»، كقصف منزل السفير العماني في صنعاء. الدبلوماسية الناعمة لدى السلطنة لم تتقبل فعلة الرياض، حيث استدعت السفير السعودي في مسقط وحمّلته رسائل قاسية إلى قيادته.
من جهة أخرى، موسكو التي تغاضت عن القرار الأممي رقم 2216 حول اليمن، مقابل تنازلات سعودية في سوريا، لم تتلقَّ أي إشارات إيجابية من المملكة، لا بل ظهرت أكثر إصراراً على قيادة المعركة في سوريا واليمن. للروس صبرٌ في السياسة، ويبدو أنه وصل إلى ذروته. فعودة السفير الروسي إلى صنعاء إشارة، واجتماعه مع «أنصار الله» رسالة، وتوجهه إلى مسقط إنذار للرياض.
في مسقط، سيكون لموسكو الكثير من الكلام. هي ستنتظر رداً صريحاً من المملكة. يبدو أن فسحة التفرّد السعودي في معركة اليمن بدأت تضيق. الروس سيقدمون على خطوات جدّية في ما بعد، ربما بمدّ «أنصار الله» والجيش بالسلاح، أو بتحصين صنعاء أكثر، وربما يتحول ميناء الحديدة إلى ميناء استراتيجي. كل شي وارد، بناءً على خطوات الرياض المقبلة.
في فترة المفاوضات تعلو نبرة التصريحات والميدان معاً. ستكون هناك انفجارات سياسية وعسكرية عدة. وكل مكسب على الأرض سيكون بنداً إضافياً في فقرات الحل السياسي.