الجمهورية الإسلامية في حالة حداد. أعلامها منكّسة منذ الخميس الماضي. مذ وقعت "الكارثة الكبرى" في مشعر منى، مودية بمئات الحجاج الإيرانيين. حالة من الحزن الشديد لم تحجب مستوى الغضب الذي يعصف بإيران الشعبية والرسمية، ولم يؤثر على حالة الغليان التي حوّلت الدوائر المعنية إلى خلايا نحل لمتابعة مصير الحجاج وضمان سلامة الجرحى، ونقل رفات القتلى الـ 160 حاجاً إلى بلادهم.


لكن الأهم بالنسبة إلى طهران، على ما ظهر من المواقف المعلنة لقادتها، يبدأ بتبيان أسباب الكارثة عبر لجنة تحقيق تصر على أن تكون جزءاً منها، ولا تنتهي بأن تتحمل السعودية المسؤولية عما حصل وتعترف بالخطأ الذي وقع، وصولاً إلى ضرورة إعادة النظر بالتفويض المعطى من قبل العالم الإسلامي للرياض بإدارة مناسك الحج، وخاصة في ظل ثلاثة معطيات: الأول، معلومات لدى السلطات المعنية في إيران بأن "الحضور غير المنتظم لقافلة أحد أمراء السلطة كان أيضاً أحد أسباب وقوع الحادث"، يضاف إليه سوء الإدارة والتنظيم. الثاني، اتهام سعودي للحجاج بأنهم من تسببوا بما حصل عندما ساروا بالاتجاه المعاكس، في رواية فندتها طهران، مشيرة على وجه الخصوص إلى أنها لا تفسر وفاة مئات الحجاج من الجنسيات الأخرى. أما الثالث، فحال الغموض التي لف بها السعوديون حال الحجاج الإيرانيين، وخاصة حديثهم عن 300 مفقود (بينهم دبلوماسيون يتقدمهم السفير السابق في لبنان غضنفر ركن أبادي، وضباط كبار)، في وضع المنطقي فيه أن يكون هناك قتلى وجرحى وسالمون فقط.
الأنكى كان طبعاً عدم التعاون المتعمد من قبل السلطات السعودية مع نظيرتها الإيرانية. بل وصل الأمر الى حد عدم إعطاء تأشيرات دخول إلى وفد إيراني رفيع المستوى يريد التوجه إلى مكة للاطمئنان إلى سير التحقيقات ومتابعة أوضاع الحجاج، وذلك بحجج واهية، بينها إقفال السفارة السعودية في طهران بسبب عطلة العيد، ما دفع وزارة الخارجية الإيرانية إلى استدعاء القائم بالأعمال السعودي أكثر من مرة.
مرشد الثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي، كان الأكثر وضوحاً وحسماً في التعبير عن الموقف الإيراني. فقد حمّل حكام السعودية مسؤولية كارثة منى، داعياً إياهم إلى الإقرار بالمسؤولية وعدم التنصل منها بتوجيه الاتهامات للآخرين، والمبادرة إلى الاعتذار من العالم الإسلامي.
وفي مستهل حديثه في جلسة درس البحث الخارج، أمس، أشار خامنئي الى "كارثة منى الكبرى"، قائلاً إن "للعالم الإسلامي الكثير من التساؤلات بهذا الصدد وينبغي على حكام السعودية بدلاً من توجيه الاتهامات للآخرين الاعتذار من العالم الإسلامي والأسر المفجوعة وتحمل مسؤوليتهم الجسيمة في هذا الحادث والعمل بمقتضياتها"، لافتاً إلى أن "على العالم الإسلامي التفكير ملياً في هذه القضية".
موقف ردده معظم المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمهم الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي هاجم سوء إدارة السلطات السعودية، معتبراً أنها "مسؤولة عن الحادث قانونياً وسياسياً وعليها تحمل المسؤولية بهذا الصدد". وكشف عن أنه طرح الموضوع مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال لقائه معه، والذي وعد بإجراء المتابعات اللازمة لإلزام الحكومة العمل بواجباتها الإنسانية والقانونية في متابعة أوضاع المتوفين والمصابين. كذلك فعل رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني ووزير الدفاع العميد حسين دهقان.
حتى رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني رأى أن "توفير الأمن والظروف اللازمة لحجاج بيت الله الحرام من المسؤوليات البديهية الملقاة على عاتق المسؤولين عن أمور الحج". وأضاف إن "السؤال الجوهري وما يدعو إلى الدهشة والاستغراب هو تكرار مثل هذه الأحداث عاماً بعد عام وعدم توفر الأمان للحجاج بسبب سوء الإدارة والتدبير في هذه الأماكن المقدسة"، مشيراً الى أن "الوقت حان ليتدارس عقلاء العالم الإسلامي من باحثين وغير سياسيين هذه القضية من الرؤية الإسلامية والقرآنية".
مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية حسين أمير عبد اللهيان أشار الى استدعاء القائم بالأعمال السعودي في طهران 3 مرات و"قلنا له إن من غير المقبول التباطؤ في إصدار تاشيرات الدخول للوفد الإيراني (المقرر أن يتوجه) الى السعودية برئاسة وزير الإرشاد علي جنتي، وينبغي أن يتم هذا الأمر بأسرع صورة ممكنة».
وقال "إننا نتابع مصير السيد ركن أبادي السفير الإيراني السابق في لبنان، كما أن 3 من المديرين في وزارة الخارجية فقدوا في الحادث. وتبين وفق أحدث التحريات أن أحدهم فارق الحياة".

(الأخبار)