دمشق | على الرغم من الأهمية الاستثنائية للقطاع الطبي في زمن المعارك، غير أن الحرب لم توفّر هذا القطاع، فألحقت به، كما القطاعات الأخرى، أضراراً بالغة أدّت إلى خروج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية ومصانع الأدوية عن الخدمة في أغلب المحافظات، إضافة إلى هجرة الكثيرين من خيرة الكادر الطبي.


كذلك فاقمت العقوبات الاقتصادية الخارجية الأزمة، لكونها لم تستثن القطاع الصحّي، لنصل، بطبيعة الحال، إلى نقص الأدوية على أنواعها.
طبعاً لم يغب قطاع الأدوية عمّا أصاب السوق من غلاء الأسعار، إضافة إلى انخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار، ليضاف إليه قرار وزارة الصحّة، أخيراً، برفع أسعار الأدوية بنسبة تراوح بين 50 ـ 65 %، ليجد المواطن نفسه أمام واقع مرير، وهو الذي اعتاد طبابة مجانية أو شبه مجانية، قبل الحرب. ويوضح أحد مندوبي شركات الأدوية أنّ أزمة تصنيع الأدوية تتعلّق أيضاً بارتفاع تكاليف الإنتاج، «حيث يقتصر الإنتاج اليوم على أنواع محددة، بسبب استيراد المصانع للمواد الأولية بالقطع الأجنبي، الذي ارتفع سعره بشكل كبير». فيما توضح مصادر في وزارة الصحّة، أنّ الوزارة عملت للحدّ من الآثار السلبيّة عبر طرحها عدداً من المناقصات لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية «غير أنّ أيّاً من الشركات لم تتقدّم بأية عروض، وذلك بسبب فارق الأسعار مقارنة بسعر الدولار».
كغيره من القطاعات يعاني القطاع الصحّي من مشكلة الفساد أيضاً، وهو ما يفسّر إغراق السوق المحليّة بأدوية تركية الصنع، تهرّب إلى الداخل السوري عبر المناطق الحدودية، ويلجأ إليها المرضى بسبب ثمنها المنخفض. وغير بعيد عن قضايا الفساد، باتت المستشفيات الحكومية تعاني من الإهمال، ما أدى إلى تدني مستواها الخدمي. وبحسب أحد الأطباء في مستشفى التوليد الجامعي في دمشق، فإنّ القسم الخاص في هذا المستشفى، يعتبر أفضل من الأقسام المشابهة في المستشفيات الخاصّة «غير أنّه بدل العمل على تطويره، يُتَّفَق على نهب الأموال المرصودة له، فتصرف مبالغ طائلة لصيانة السيارات الخاصة، مثلاً، ولا يتوافر مبلغ 700 دولار لصيانة جهاز إيكو». ويضيف الطبيب شارحاً: «ميزانية المستشفى تقدر بنحو 800 مليون ليرة في السنة، لكن خلال الأعوام الخمس لم أشاهد أي تطوير، إلا على مستوى الدهانات، وشاشات التلفاز».

ختم «أمير الحسبة»

غالبية المواطنين في المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة، لا تزال العاصمة دمشق مقصدهم من أجل العلاج، لكن مشوار الألف ميل يبدأ بتقرير من طبيب موجود في منطقتهم، يُختم بعد ذلك من قبل «أمير الحسبة»، ويليه تبرّع بالدّم بالإضافة إلى تحديد فترة المغادرة وموعد العودة، وذلك في الرقة مثلاً. ويشير أحد المرضى من هذه المدينة إلى أنّ رحلته إلى دمشق بلغت كلفتها أكثر من 80 ألف ليرة (ما يعادل 300 دولار تقريباً). وللحدّ من مخاطر هذه الرحلات، ومن كلفتها الباهظة، يلجأ بعض المرضى، الذين يضطرون للعودة إلى مناطقهم، للتواصل مع أطبائهم عبر رسائل صوتية بواسطة «واتس أب»، فتتحوّل بذلك معايناتهم إلى حالة سمعية، بعيداً عن المشاهدة.