اللاذقية | ينحني أبو محمد أمام باصه الصغير مُتجاهلاً الأعين الفضولية. كان منهمكاً بلفّ جنزير حول أحد دواليبه حتى يتمكن من ربطه ببوابة الحديد أمام مدخل منزله. يتحقق من القفل جيداً قبل أن يدخل البيت مطمئن البال أن «الفان» لن يتزحزح من مكانه. «الجنزرة» التي تُستخدم لـ«ربط» الدراجات الهوائية والنارية، تبدو «نافرة» و«مضحكة» حين تُستخدم على السيارات، ولكن في ظل ظاهرة سرقة السيارات التي تشهدها المدينة، باتت «الجنزرة» وسيلة يلجأ إليها الأهالي للحفاظ على عرباتهم.


«الزلمة ماشي على مبدأ: مية كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو. يعني يضحكو عليه ويقولو مجنزر سيارتو ولا يقولو انسرقت السيارة». بهذه الكلمات يصف أحد جيران أبو محمد الذي يركن سيارته داخل مستودع قريب من منزله. ويشرح كيف أنه استغنى عن «تأجير المستودع، مع أنني بحاجة الى الليرة، كرمال صف السيارة فيه، لأن لو انسرقت بعشر سنين ما بجمّع ثمن سيارة».
أخيراً، بات ليل اللاذقية مسرحاً لسرقة السيارات؛ فقد سُرق أكثر من 300 سيارة خلال فترة لا تزيد على 6 أشهر. آخر السرقات وقع في وضح النهار على أوتوستراد جبلة ــ اللاذقية. فقد توقف صاحب إحدى السيارات أمام إحدى الاستراحات من أجل شراء القهوة. الرجل ترك المفاتيح داخل عربته، وحين عاد «صُدم» باختفائها!
هذه الحوادث دفعت الأهالي الى ابتداع طرق عدّة لحماية سياراتهم، كنزع شريط البطارية كل ليلة من أجل عرقلة إدارة المحرك وتغطية الرمز الموجود على مُقدمة السيارة الذي بإمكان السارقون نسخه و«التواطؤ» مع العاملين في وكالات بيع السيارات من أجل الحصول على مفتاح سيارة مُعينة.
في مُجتمع أصبح فيه التصميم الحديث هو السمة الجامعة لمُعظم السيارات المسروقة، تحولت هذه السيارات الى نذير شؤم على أصحابها، فهم باتوا يتوقعون سرقتها في أيّ لحظة. ويبدو أن «جاذبية» سرقة هذا النوع من السيارات لا تتوقف فقط عند ثمنها المرتفع ققط، بل تتعداه إلى إمكانية برمجتها بسهولة من قبل السارقين.
«ثلاثة أرباع السيارات التي تُسرق هي من النوع الذي يعمل من خلال تحديد بصمة اليد. ويبدو أن السارقين يستعملون برنامجاً إلكترونياً من أجل إعادة برمجة السيارات من خلال اعتماد بصمة جديدة لليد. هذا يعني أنه كلّما زادت التكنولوجيا في السيارة ارتفعت نسبة السرقة»، يشرح فادي، أحد الذين باع سيارته الحديثة مُستبدلاً إياها بأخرى قديمة الطراز لا تُغري أحداً بسرقتها. ويضيف أن «السيارات القديمة يلي ما بتفتح إلا بالمفتاح بتكون سرقتها أصعب».
«قليلو الحظ» الذين سُرقت سياراتهم ولم تنفع معهم وسائل حمايتها، يعلمون أن مركباتهم أصبحت «في خبر كان». فقسم منها تجري «فكفكته» وبيعه كقطع غيار في الأسواق، والقسم الآخر يُباع إلى المسلحين في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة. إضافة الى ذلك، أصحاب السيارات المسروقة لن يتمكنوا من شراء سيارة بديلة في المدى المنظور، بسبب ظروف الحرب وغلاء المعيشة، علاوة على الارتفاع الكبير في أسعار السيارات. يبقى أنّ بين هؤلاء من تفوق «مصيبته» خسارة سيارة تُمثل بالنسبة إليهم «جنى العمر». فغالبيتهم اشتروا عرباتهم بالتقسيط، الوسيلة الوحيدة لذوي الدخل المحدود، وهم ما زالوا يُسدّدون دفعات التقسيط. عمار، الذي يترأس إحدى المجموعات التطوعية، هو أحدهم. سُرقت سيارته من أمام منزله في حيّ شريتح ــ اللاذقية وكان ينقل بها المعونات الاغاثية لمتضرري الحرب. اشتراها «بالتقسيط من المصرف التجاري السوري، ولا زلت مديناً بحوالى 200.000 ليرة». يتذكر عمار كيف «فقت وما شفتا قدام البيت، بكل بساطة انسرقت... شعرنا أنّ فرداً من عائلتنا فُقد. انهارت أعصابنا لأن سيارتنا هي حصاد العمر ومن المستحيل أن أتمكن من شراء سيارة بديلة، لازم أن أُكمل في دفع أقساطها». القوى الأمنية ألقت القبض على سارق سيارة عمار، إلا أن الفرحة تحولت الى غصّة. السيارة أصبحت في سهل الغاب ــ ريف حماه، كما اعترف السارقون، ما يجعل إمكانية استعادتها شبه مستحيلة. «انمسك تلاتة من العصابة اعترفو بأنهم بيكسرو الباب الخلفي الأيمن للسيارة وبيخلعو جوزة قفل المفتاح بقصّوها وبيوصلوا الأشرطة، وهيك بتدور السيارة. كل هالعملية بتستغرق 3-4 دقائق»، يقول عمار. ويزيد أنّ هؤلاء هم «الحلقة الأولى من سلسلة السارقين... يا دوب يصل لهم 20 ألف ليرة يقبضوها من السارق الأكبر في الحلقة الثانية حين يُسلموه السيارة. الحلقة الأخيرة هي بيع السيارة للمسلحين». هذا يعني أن «الجريمة انحطت برقاب الصغار. بينسجنو كم شهر وبيطلعو من جديد عالسرقة»، يختم عمار.