رغم حرص تل أبيب على لملمة الإرباك الذي أحدثته تصريحات وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية أمس هزات ارتدادية، ولا سيّما مع الدخول الأميركي على الخط لطلب توضيحات إسرائيلية


محمد بدير
أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية، أمس، أن الولايات المتحدة دخلت على خط القصف الكلامي بين إسرائيل وسوريا، وطلبت من تل أبيب تقديم توضيحات بشأن التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، وهدّد فيها بإسقاط النظام السوري في أيّ حرب مقبلة. توضيح تكفّل ليبرمان شخصياً بتقديمه عندما أعاد تمسكه بتهديداته لسوريا، مشيراً إلى أنه سبق لها أن تخلت «عن لبنان وعن لواء الاسكندرون، فلماذا لا تتخلى عن الجولان». وجدد ليبرمان، في مقابلة أجرتها معه القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي، مساء أمس، رفضه المطلق للانسحاب من هضبة الجولان، معتبراً أن «سوريا تنازلت عن سوريا الكبرى ولبنان والاسكندرون، ولا يوجد سبب يمنع تنازلها، في حالتنا، عن الجولان».
في هذا الوقت، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن مسؤولين في الإدارة الأميركية نقلوا إلى نظرائهم الإسرائيليّين رسائل عاجلة، دعوا فيها إلى تهدئة الخواطر على الجبهة السورية. وبينما كان الأميركيون يحاولون خفض درجة التوتّر بين دمشق وتل أبيب، كان قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، الجنرال آفي مزراحي، يدلي بدلوه في دوّامة المواقف المتخبطة التي شهدتها المنابر الإسرائيلية، ملوّحاً بالقدرة على اجتياح العاصمة السورية.
وفي كلمة أمام إحدى المدارس الدينية في مستوطنة «أفرات» في الضفة الغربية، ردّ مزراحي على تهديد وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، بنقل الحرب إلى المدن الإسرائيلية بالقول إن الجيش الإسرائيلي يمكنه أن يصل إلى دمشق. وأضاف «لقد اختار السوريون طريق الإرهاب والتسلح بالصواريخ، لكن في مقابل ذلك يمتلك الجيش الإسرائيلي ميزان ردع، وهم رأوا في لبنان عام 2006 قدراتنا، وكيف أننا دمّرنا ستة مبانٍ في الضاحية في أقلّ من دقيقة من دون أن نسبّب أضراراً في المحيط». وخلص إلى التشديد على أن الميزان الاستراتيجي ليس لمصلحة الجيش السوري، «وإذا اضطررنا فسنهزمهم هزيمة لا لبس فيها».
ويبدو أن إسرائيل، التي رأت في التصريحات السورية خروجاً عن المألوف، تحاول أن تصوغ ردودها بطريقة لا تبدو فيها منكفئة أمام الهجوم الكلامي السوري، من دون أن تسبّب تصعيداً إضافيّاً ترى أن لا مصلحة لها فيه. وهذا ما حرص البيان الذي أصدره رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أول من أمس، على إظهاره، حين شدد على مواصلة إسرائيل «التصرف بتصميم وحسم حيال أيّ تهديد»، رغم أنها «تسعى إلى السلام والمفاوضات مع سوريا».

واشنطن طلبت من تل أبيب توضيحات بشأن تصريحات ليبرمان
وأشار معلّقون إسرائيليون إلى أن موقف نتنياهو هذا كان نوعاً من المزاوجة بين التهديدات التصادمية، التي أطلقها وزير خارجيته، ليبرمان، والرسائل التهدوية التي أطلقها وزير دفاعه، إيهود باراك. وأوضحت مصادر مقربة من نتنياهو أنه «من المهم لرئيس الحكومة أن يفهم السوريون أن إسرائيل لديها بعد رادع ومكانة ردعية، ولذلك فإن نتنياهو لا يختلف مع ليبرمان وهو لم ينتقده». وأكدت المصادر أن «الرجلين متفقان تماماً على مضمون الأقوال، ولا يختلفان إلّا في مسألة التوقيت. فنتنياهو يريد الآن هدوءاً في الجبهة السورية، وهو معنيّ بخفض مستوى اللهيب في تصريحات الطرف الإسرائيلي».
وبالرغم من ذلك، توالت أمس موجة الانتقادات الداخلية ضد ليبرمان. ورأى الأستاذ الجامعي المتخصص في الشأن السوري أن «ليبرمان لن يكون قادراً على إسقاط النظام السوري، فإسرائيل جرّبت أن تسقط حزب الله، الذي هو أكثر ضعفاً، خلال حرب لبنان الثانية، وانظروا كيف انتهى الأمر». من جهته، طلب عضو الكنيست عن حزب «كديما»، آفي ديختر، من رئيس الحكومة لجم وزير الخارجية وتصريحاته المتطرّفة، داعياً إياه إلى إقالته من منصبه إن لم يتمكّن من فعل ذلك. ووصف رئيس «الشاباك» السابق الأقوال «العديمة المسؤولية» التي تفوّه به وزير الخارجية بأنها «مشكلة قومية».
أما الوزير العمالي، يتسحاق هرتسوغ، فاتهم ليبرمان بالسعي «منذ مدة طويلة إلى دقّ الأسافين بين باراك ونتنياهو»، داعياً إلى وجوب «النظر إلى تهديدات ليبرمان على أنها تأتي في سياق السياسة الحزبية الداخلية» في إسرائيل.
وكان هرتسوغ يشير بذلك إلى ما ذكرته صحيفة «معاريف» أمس من أن ما فعله ليبرمان إنما يهدف إلى إحباط اتصالات سرية غير مباشرة بين إسرائيل وسوريا.
وأوضحت الصحيفة أن ليبرمان قلق لأنه يعرف بصفته عضواً في هيئة «السباعية» الوزارية أنه تجري اتصالات سرية من وراء الكواليس من أجل استئناف محادثات السلام غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا خلافاً لإرادته.
ونقلت «معاريف» عن وزراء إسرائيليّين قولهم إن تهديد ليبرمان لسوريا نابع من رغبته في إحباط أيّ احتمال للشروع في مفاوضات معها.


«يقظة» في الجبهة الشماليّة

أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي، على خلفية تبادل التهديدات بين دمشق وتل أبيب، شدد حالة «اليقظة» على الحدود الشمالية، من دون أن يرفع مستوى التأهّب أو الاستنفار وسط قواته هناك.
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر عسكرية قولها إن جيش الاحتلال يتابع ما يجري على الجانب السوري، وإنه لم يشخص أيّ تغيير في التشكيلات العسكرية هناك في هذه المرحلة.
من جهتها، أشارت صحيفة «هآرتس» إلى أن هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي وقيادة المنطقة الشمالية «امتنعتا عن قصد عن رفع حالة التأهّب كي لا يفسّر تفسيراً خاطئاً في الطرف المقابل».
ووفقاً للصحيفة، فإن تقويم الوضع الاستخباري الأخير، الذي عُرض في بداية الأسبوع على طاقم القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي، يفيد بأن وجهة سوريا في السنة القريبة المقبلة ليست نحو الحرب. وقالت الصحيفة إنه «بقدر ما هو معروف، فإنه لا توجد في هذه اللحظة معلومات استخبارية تشير إلى نوايا مغرضة بارزة من جانب دمشق، التي لا تبحث عن صدام مباشر مع إسرائيل».
من جهة أخرى، لفتت «هآرتس» إلى اقتراب الذكرى السنوية الثانية لاغتيال القائد العسكري في حزب الله، عماد مغنية (الصورة)، مشيرةً إلى أن المناسبة «تُعدّ موعداً محتملاً لعمل ثأري من جانب المنظمة». وأوضحت أن هذا الأمر، معطوفاً على التوتر الذي تعيشه طهران في ملفها النووي، يستدعيان اليقظة الاستخبارية.
يشار إلى أن الجيش الإسرائيلي يشدد منذ فترة على ضرورة العمل على «إخراج سوريا من محور الشر»، عبر التوصل إلى تسوية سياسية معها.