يصعب على أحد العثور على قصف جوي روسي خارج المدى الحيوي لجمهوريات الاتحاد السوفياتي، أو روسيا الجديدة. إنه الاختبار الأول لحفيدة السلالة الشرقية، بعد الحرب العالمية الثانية. وهو الاختبار الميداني الأولى، لحقيقة كسر أحادية القيادة الأميركية للعالم منذ ربع قرن. وهو فوق كل ذلك، إعادة تموضع القوة العسكرية الروسية في سوق العمل المباشر في مناطق المواجهات الباردة مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.


أشياء كثيرة عبّر عنها قرار روسيا المباشرة بعمليات عسكرية مباشرة في سوريا. منها ما يخص روسيا نفسها، وما يخص أميركا وحلفاءها الغربيين والشرق أوسطيين، ومنها ما يخص إيران وحلفاءها الميدانيين في لبنان وسوريا والعراق، ومنها ما يخص أيضاً العدو الإسرائيلي. ولكن، قبل كل هؤلاء، في ما حصل أمس، ما يخص الشعب السوري، والقسم المناصر لحكم الرئيس بشار الأسد وجيشه.
وفي هذا المجال، بتنا اليوم أمام الفرصة الأكبر لإدخال سوريا في مسار حل حقيقي، ولو كان التمهيد له بالنار.
في المعطيات، نفذ سلاح الجو الروسي أولى المهمات في إطار برنامج عمل، ورد تفصيلياً ضمن خطة التعاون القائمة بين موسكو وحلفائها في الحرب في سوريا والعراق. وهي خطة منسقة بأدق تفاصيلها مع الحليفين السوري والإيراني، وتالياً حزب الله. وهي واقعة لها ما بعدها، ومن يدقق في نوعية الأهداف، وطبيعة الضربات، والبقعة الجغرافية، ثم يعود إلى كلام الرئيس فلاديمير بوتين، عن أن روسيا ستلعب دوراً في الجو لا على الأرض، يمكنه أن يفهم أن ما حصل أمس، وله تتمته قريباً، هو تمهيد ضروري لعمل عسكري أكبر، بينه القسم البري الذي سيتولاه الآخرون من قوى التحالف. أي، بلغة مباشرة، إن قصف مراكز القيادة والتحكم، ومخازن أسلحة رئيسية، ومواقع مدفعية تخص المسلحين، سيكون مدخلاً لعمل عسكري ينفذه الجيش السوري على الأرض، بدعم مباشر من إيران وحزب الله وحتى قوات من «الحشد الشعبي العراقي».
وفي التفاصيل الإضافية، إن ما حصل، أمس، كان قد سبقته حركة روسية مختلفة خلال الأيام القليلة الماضية. حتى عندما أنهى الرئيس بوتين خطابه في الأمم المتحدة، سرت كلمة السر ببدء المراحل التنفيذية للعملية العسكرية. علماً بأن البعض يتحدث عن احتمال حصول تأخير قليل، كان مرتبطاً بالمحادثات التي جرت بين بوتين ونظيره الأميركي باراك أوباما. لكن الذي حصل أمس، يؤكد ليس فشل بوتين في إقناع أوباما بالانضمام إلى آلية عمل مختلفة ضد الإرهاب في سوريا، بل فشل أوباما في إقناع بوتين، بتعديل العناصر الموضوعة على مهدافه. مع العلم أن بوتين كان قد سبق اللقاء بإبلاغ العالم، لا الأميركيين فحسب، بأن الإرهاب كل متكامل، وأن ميليشيات الجيش الحر لا تختلف عن جبهة النصرة ولا عن تنظيم داعش، وأن روسيا معنية بتوفير دعم للقوى المقاتلة لهذه المجموعات، والتي لفظ بوتين اسميها: الجيش السوري ووحدات الدفاع الكردية.
وفي الحصيلة، يمكن التأكيد أن ما قامت به روسيا أمس يعني بوضوح أن كل محادثات نيويورك لم تغير في جدول الأعمال العسكري حرفاً، وبالتالي إن ما قامت به موسكو أمس، يعد الاختبار الأول لآليات التعاون المفترضة مع الغرب حيال مواجهة تنظيم «داعش».


بتنا اليوم أمام الفرصة الأكبر لإدخال سوريا في مسار حل حقيقي

في جانب آخر، بدت عناصر الاستغراب والدهشة لدى الأميركيين والغربيين والإسرائيليين والأتراك والسعوديين، دليلاً إضافياً على ضعف التوافق المسبق حول مصير المبادرات حيال الأزمة السورية. لا، بل بدت الخطوة الروسية بمثابة التحدي لكل هؤلاء الذين لم يتركوا وسيلة عنيفة إلا استخدموها بمواجهة النظام السوري. وإذا ما قرر هؤلاء توسيع رقعة المواجهات، فسيضطرون إلى التعامل مع الوقائع الجديدة، التي تتمثل علناً اليوم بالوجود العسكري الروسي، وتتمثل غداً بالوجود العسكري العلني لإيران ايضاً.
في جانبنا، لم يعد بالإمكان تجاوز قرار محور المقاومة، مدعوماً من روسيا، ليس بمنع سقوط الأسد فقط، بل بإضعاف خصومه، وكل خصومه دونما أي تفريق. لكن ذلك لا يجب أن يحجب عن الأعين صورة الواقع المعقد التي تقول إن «الفرحة» الموجودة لدى أنصار النظام في سوريا، لا يمكن تحويلها إلى عملية استرخاء، لا من قبل النظام نفسه، ولا من قبل جميع من يقاتل إلى جانبه. ومن السذاجة اعتبار الغارات الروسية كافية لمواجهة الأعداء. بل من الواقعي، الاستفادة من دعم روسيا - وهي طرف داعم، وليست من عداد محور المقاومة - لأجل الاستعداد لخوض معارك قاسية وحاسمة في عدة مواقع من سوريا. وهو أمر يتطلب رفع مستوى الجاهزية، والاستنفار، وخلق الآليات العملانية للاستفادة من الترسانة العسكرية الروسية الموجودة أو الآتية إلى سوريا.
لقد فتحت روسيا أمس، صفحة جديدة في تاريخ العالم. ومهما بلغ شأن العمل العسكري الميداني، فإن النتائج السياسية
والاستراتيجية تبقى الأكبر، وستفتح الباب أمام بعض الواهمين بأن أميركا لا تزال قائدة العالم والمتحكمة بمصيره، لأن يجروا مراجعة، ومن لا يرغب منهم بالتراجع، فليبقَ حيث يشاء، لكن ليأخذ في الاعتبار أنه صار لزاماً عليه الاتكال على نفسه أكثر من أي وقت مضى... وهو كلام يشمل سوريا والعراق وفلسطين وحتى الجزيرة العربية وشمال أفريقيا!