لا تنسيق ولا آلية تنسيق بين روسيا وإسرائيل. رواية رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عن نجاح زيارته الأخيرة لموسكو، وتأكيد التأسيس لتفاهم بين الجانبين حول العمليات العسكرية في السماء السورية، تبيّن أنها رواية مستعجلة ومضخمة، حول إنجاز لم يتحقق، وكان مدعاة شك منذ اللحظة الأولى. أيضاً أمس، ورغم تناقل وسائل الإعلام خبر «التنسيق» بين موسكو وتل أبيب حول الضربات الجوية الروسية في سوريا، إلا أن ما حصل أقل بكثير من أن يطلق عليه تنسيقاً بين الجانبين.


إذ كشف الإعلام العبري أن المسألة مجرد «إبلاغ» مسبق عن قرب شنّ غارات روسية ضد أهداف في سوريا، تماماً كما جرى إبلاغ الجانب الأميركي وحلف الناتو، وطلب ضرورة الابتعاد عن المجال الجوي السوري منعاً للاحتكاك. وبين الإبلاغ والتنسيق، فرق شاسع جداً.
موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشار إلى أنّ الروس وجدوا طريقة تبعدهم عن «آلية التنسيق» مع الإسرائيليين، عبر إبلاغهم المسبق عن نياتهم المبدئية بشن غارات في سوريا، ومن دون إبلاغهم بموعد الضربات أو الأماكن المستهدفة، مع تلميح البلاغ الروسي لإسرائيل إلى أن الهجمات لن تعرّض إسرائيل للخطر. وبحسب مراسل الموقع للشؤون العسكرية، رون بن يشاي، «لم ينسق الروس هجومهم الجوي أمس مع إسرائيل، ولم يحددوا لها هوية الأهداف وأماكنها».
في السياق نفسه، أكدت صحيفة «هآرتس» نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، أن جهات رسمية في الحكومة الروسية، اتصلت بمستشار الأمن القومي الإسرائيلي، يوسي كوهين، وبمسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية في تل أبيب، وأبلغتهم قبل ساعة من الغارات الروسية في سوريا، أن طائرات روسية ستقصف أهدافاً هناك، دون تحديد هوية الأهداف وأماكنها، مشيرة إلى أن الإخطار المسبق حول الهجمات الروسية يهدف إلى تجنب أي مواجهة غير مقصودة خلال عمليات القصف، بين سلاحي الجو الإسرائيلي والروسي. وأمس أيضاً، في ردٍّ غير مباشر على تصريحات صدرت عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نعى فيها آلية التنسيق مع إسرائيل ورفض تشكيل هيئة ثنائية بين الجانبين، أشار وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، بنبرة بدت مليئة بالغضب من القرار الروسي، إلى أن تل أبيب لا تنسق مع موسكو حول عملياتها في سوريا، وهي تصرّ على خطوطها الحمراء، وتواصل شن هجمات كلما تجاوز الأعداء هذه الخطوط.
وقال يعلون خلال جولة تفقدية للقوات الإسرائيلية في المستوطنات القريبة من قطاع غزة: «لقد أبلغنا الروس أن لدينا مصالح هناك (في سوريا)، وفي حال تعرضها للتهديد فإننا نعمل وسنستمر في العمل، وهذا ما جرى توضيحه للرئيس الروسي»، مشيراً إلى أنّ «إسرائيل لا تنوي التخلي عن قدرتها في الدفاع عن مصالحها، واقترح عدم اختبارنا».
وأضاف يعلون أنّ «هناك تطورات في الساحة السورية، كالوجود الروسي والإيراني الذي ما زال بعيداً عنا في هذه المرحلة، ويتركز في شمال سوريا، ونحن لا ننسق نشاطنا مع روسيا، إلا أنّنا أوضحنا لهم، خاصة خلال اللقاء الذي جمع نتنياهو ببوتين، أنه إن كان هناك من يريد اختبارنا فاننا سنرد، وسنواصل الدفاع عن خطوطنا الحمراء».
أوضح يعلون أن نتنياهو، أكد للرئيس الروسي أن إسرائيل لا تتدخل في من يحكم سوريا، سواء (الرئيس السوري بشار) الأسد أو غير الأسد، فنحن لا نناقش هذه المسألة إطلاقاً، لكن لدينا مصالح هناك وفي حال تعرضنا للتهديد سنتحرك. هذا ما أوضحناه للرئيس الروسي».
وكانت القناة الثانية العبرية قد أشارت في نشرتها المركزية أمس، إلى أن الضربات الجوية الروسية، إلى جانب نشر الأسلحة المتطورة هناك، يشيران إلى حجم الحماية التي يمنحها بوتين للأسد. وأضافت أن المسألة لا تتعلق بوسائل مطلوبة من أجل محاربة «داعش»، بل لضمان التفوق الجوي مقابل الدول العظمى الأخرى. ووصفت القناة الهجمات الروسية بمثابة «قبة حديدية» يوفرها بوتين للأسد.
من جهتها، أشارت صحيفة «هآرتس» إلى أن الموقف الهجومي للرئيس الروسي تجاه الولايات المتحدة، لا يعني أن موسكو معنية بمواجهة مباشرة مع الغرب، إذ إن بوتين لا يملك الموارد الاقتصادية لخوض مواجهة كهذه، وهو يعلم أنه إذا بدأت التوابيت تصل إلى روسيا، فإن شعبيته ستنهار سريعاً. وأضافت الصحيفة أن بوتين يختبر حدود صبر إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، والهجمات الجوية في سوريا هي توتر إضافي بين الخطوط الحمراء، إلا أن «أوباما المتردد إزاء العمل ضد نظام الرئيس الأسد، لم يقف حتى الآن في طريق روسيا».
حزب الله جزء من الحل
إلى ذلك، حذرت وزيرة الخارجية السابقة، والقيادية في «المعسكر الصهيوني» في الكنيست الإسرائيلي، تسيبي ليفني، نتنياهو من التطورات الأخيرة في الساحة السورية، إذ إن «رئيس الحكومة لا يريد أن يفهم أن إيران وحزب الله باتوا في نظر الأسرة الدولية جزءاً من الحل في سوريا، بينما إسرائيل تقف خارج الصورة تماماً». وأعربت ليفني على صفحتها على الفايسبوك، عن مخاوفها بخصوص «مركز إسرائيل» فيما سمته «عملية تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط، كنتيجة للتدخل الروسي في سوريا»، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة هي فرصة لرئيس الحكومة الإسرائيلية «كي يوجد علاقات ليس فقط مع من نعرفه، بل أيضاً مع الجهات المعتدلة في المنطقة». وقالت: «علينا العمل وإنقاذ مصالحنا المشتركة مع بعض دول المنطقة المهددة من إيران وداعش، إذ لا يكفي أن نفهم ما يجري، بل يجب أن نكون جزءاً مما يجري».