فلسطين بالأوتوبيس الرقم 12


في الجامعة، تسألني إحدى الفتيات بعدما لاحظت أن لهجتي لا تشبه اللهجة اللبنانية: من أين أنت؟ وما إن أخبرتها أنني من فلسطين، نظرت إليّ نظرة تعجب واستفهام، وقالت: فلسطين؟! لم أسمع بها من قبل، أين تقع؟!، فقلت لها: «إنها بلدي»، وكدت أرسم لها خريطة الشرق بحركات يدي، فردّت: «لا أعرف بلداً اسمه فلسطين»، ثم أضافت: «يعني أنك لست لبنانياً. وهل تأتي كل صباح من فلسطين إلى الجامعة، ثم تعود إليها؟!» قالت بكل «براءة». كانت إجابتي: «نعم. أركب الأوتوبيس الرقم 12 كل يوم ذهاباً وإياباً». كدت أبكي من الضحك وأنا أقول في نفسي: إما أن هذه الفتاة تستهزأ بي، وإما أنها جاءت أخيراً من الأسكيمو. وأترك للمخيلة الإنسانية أن تتصور كيف أنهيت حديثي معها، أعتذر، كنت قاسياً بعض الشيء... مع العلم بأنه بحسب اللوحة الحديدية المعلقة على مدخل مخيم شاتيلا، فلسطين تبعد عنا 92 كلم، كان من المفترض أن يذهب إليها الأوتوبيس الرقم 194، إلا أنه قد اتضح لاحقاً بعد ركوبه أنه كان ملغّماً.
في مخيم شاتيلا، كنتُ أجول في الأزقّة والزواريب برفقة مجموعة من الشباب الأوروبيين، بهدف تعريفهم بالواقع المؤلم. وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث، يخبرني أحدهم بأنه كان في فلسطين السنة الماضية، وأنه سيزورها هذه السنة والسنة المقبلة أيضاً. يا لوقاحته، لقد كان مسروراً جداً بإطلاعي على هذا الخبر العاجل. أما أنا فقد شعرت بالحسرة. صحيح أنني ولدت في رام الله، وعشت فترة من حياتي في غزة، صحيح أني حصّلت دراستي الابتدائية والمتوسطة في أريحا، ثم تابعت دراستي الثانوية في الجليل، وإن أصابني ألم في رأسي أذهب إلى عكا وحيفا. إلا أن رام الله، غزة، أريحا، الجليل، عكا، وحيفا التي أتكلم عليها ليست إلا اسماءً لمدارس ومستشفيات في بيروت.
بعدما استُبدلت الأرض بالأسماء، كي لا ننسى، وبعدما أُلغيت مادة «تاريخ وجغرافيا فلسطين» في مناهج مدارسنا، صرنا نسافر عبر الزمن، فنذهب كل صباح من فلسطين إلى الجامعة ثم نعود إليها، أما فلسطين فتبعد عنا أكثر من ستين عاماً.
عزيزتي يارا... واقع مؤلم لم يحرمني يوماً وجودَه... فبالله عليك أخبريهم أين تقع فلسطين.
شاتيلا ــــ هشام غزلان

■ ■ ■

باصان وسيّارة أجرة

عزيزي هشام،
كم من الغباء أن لا ندرك كلمة فلسطين ومعناها! كم من القسوة أن نختزلها بأسماء هامشيّة على معابر مهمّشة «المخيّمات». كم هو محزن أن لا يتقن أحد أسارير هذه الأرض، هذا الوطن! أن لا يمرّ عليه إلّا صوراً بأحاديث أمّ عبد وأبي ياسين على فنجان شاي ثقيل معتق كعتق النكبة.
لكنّني يا هشام زرتها، نعم زرتها مراراً وتكراراً. عبرتها من الخليل ورام الله وأريحا ونابلس وطولكرم إلى صفد وعكّا وحيفا ويافا، وصولاً إلى رفح. رسمت خريطتها على وجهي، شممت رائحتها، جمعت نسيمها في علبة زجاجيّة كي ألتقط منها أنفاسي كلّما انقطع
النّفَس.
لقد زرتها يا هشام، ولم أركب الباص الرقم 12، بل استخدمت باصين وسيارة أجرة، ومررت على أربعة حواجز تفتيش لا تشبه النقاط الأمنيّة التي في المخيّم أو التي على أبوابه.
زرتها، ويداي متشابكتان على طول الطريق، تضغطان على ورقة كتب عليها «اسمي». ولأوّل مرّة أشعر بأنّ لاسمي معنى وصفة، «ورقة تصريح» حدّدت لي من أنا، فهل تصدّق؟
لقد زرتها يا هشام. وصلت اليها والكلام العالق في جوفي لا يخرج إلّا ردّاً على أسئلة مخبر «غيور» على أمن الوطن. الكلام العالق في جوفي أخزّنه لرؤيتها بعد سفر 92 كلم بـ3 وسائل نقل مختلفة. الكلام العالق في جوفي ينتظر مكاناً مناسباً، أرضاً خصبة. ينتظر جدوى اللّقاء، عدوى الانتظار في كلّ مرّة.
«ممنوع التصوير» يقول لي، وأنا لا أبالي بالصور. فالصور مختزنة في ذاكرة لم تفقد بعد 60 عاماً. ومن يبالي بالصور؟! وها هي أمامي... ها هي امتداد لنا بصفاتها وسماتها، لونها، رونقها...
رأيتها.. وكروم الزيتون تناديني بنبرة فتاة نابضة، مناضلة... وأسيرة.
رأيتها، والأسلاك تحاصرني وتحاصرها، والجنود يهزأون بصغر قامتي أمامها.
لقد زرتها يا هشام مراراً وتكراراً، ولم تطأها قدمي إلّا على بعد أمتار قليلة، على بعد حدود جنوبيّة خطّها الاحتلال. لكنّ قلبي خفق كمن لم يغادرها إلّا لمنيّته. وما زلت تسألني يا هشام أن أخبرهم أين تقع
فلسطين؟
الضاحية الجنوبية ــــ يارا الحركة