قطاع غزّة، هذا الشريط الساحلي الضيّق، لم يكن طوال مرحلة الاحتلال عبئاً على إسرائيل. بل في كثير من المراحل كان استراتيجيّاً في مواجهة مصر خصوصاً، وهو ما دفع الدولة العبرية إلى محاولة ضمّه إليها نهائياً، إلا أنها فشلت في ذلك مرتين، قبل أن يتحوّل القطاع إلى نقمة دفعت إسحق رابين إلى تمني غرقه في البحر


فراس خطيب
منذ قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين التاريخية، اتبعت سلطات الاحتلال في قطاع غزّة سياسات ومجموعة من الاستراتيجيات المتغيّرة والمرتبطة بالوضع السياسي والأمني الذي تحياه الدولة العبرية في كل مرة. وحاول حكّام تل أبيب استعمال القطاع لتنفيذ مخطّطات عديدة، منها الداخلي والإقليمي، وبحثوا مع مرور السنوات عن «حلولٍ إبداعيةٍ» للتخلص من «عقبة» اللاجئين الفلسطينيين النازحين إليه بعد نكبة عام 1948. القضية شغلت استراتيجيين إسرائيليين اختلقوا أفكاراً، غالبيتها باءت بالفشل.
وكانت النيات السياسية والأمنية تجاه القطاع تتبدل من مرحلة إلى أخرى، حيث وجد الإسرائيليون في كل مرة «عدواً» في غزّة، منذ عام 1948، وصولاً إلى ما يحياه القطاع اليوم.
فقد أيّد رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول ديفيد بن غوريون ضمَّ القطاع إلى الدولة العبرية بعد النكبة مباشرة، كي «لا تكون ورقة مساومة في أيدي مصر»، إلا أنَّ الفكرة ظلت قيد نفسها. وعادت الفكرة في عام 1967، بتأييد من وزير الدفاع موشيه ديان، لكنَّ قضية اللاجئين بقيت «عائقاً في وجه المخطط».
وبقي القطاع محتلاً، تحت الحاكم العسكري الإسرائيلي، بينما فضل رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحق رابين (الذي كان قائداً لهيئة الأركان في نكسة 1967)، في مرحلة متأخرة، وتحديداً في فترة إبرام «أوسلو»، أنّ «تغرق غزّة في البحر».
يدل هذا على أنَّ القطاع عرف كل تعابير الصراع والسياسة: احتلال ولجوء وردع وتبديل وتفريغ، وأخيراً فك ارتباط وحصار. كل مصطلح عبّر عن مرحلة مختلفة، وبين كل الفترات استغلت تل أبيب غزّة سياسياً واقتصادياً، بما في ذلك ثرواتها الطبيعية.

التفكير الأول في الضم

المؤرخ الإسرائيلي يوآف غيلبر، الذي عارض خطّة الانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنات (فك الارتباط عام 2005)، قال في مقالةٍ كتبها في موقع «يديعوت أحرونوت» الإلكتروني، 17/5/2004)، إنّ غزة كانت «مشكلة صعبة قبل إقامة البلدات (المستوطنات) وستكون كذلك أيضاً بعد اختفائها».

إسرائيل فكرت مرتين في ضمّ قطاع غزّة مع سكّانه لكنها فشلت
وكشف غيلبر عن أنَّه بعد «بعد حرب الاستقلال (نكبة عام 1948)، ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل لاستيعاب 250 ألف لاجئ فلسطيني. قطاع غزة (الذي سكنه 60 ألف محلي و165 ألف لاجئ بحسب غيلبر) كان بأيدي الجيش المصري، وقدّرت إسرائيل، أنَّه في مرحلة ما، سيستعمله المصريون ورقةً للمساومة، وسينقلونه إلى من يسيطر على الجزء العربي من أرض إسرائيل، أي الأردن».
وتابع غيلبر: «في محاولة للتخلص من الضغوط، فكّر بن غوريون بضم غزّة بكل سكانها إلى إسرائيل، لحلّ مشكلة اللاجئين فيها. بدايةً، تحدث عن الفكرة مع الأميركيين، ومن بعدها توجه إلى وزير الخارجية (موشيه) شاريت، الذي عارض الضم بقوة. معظم الوزراء دعموا رأي شاريت، لكنهم وافقوا بن غوريون لدفع الفكرة».
ورأى غيلبر أنَّ نظرة بن غوريون كانت «جغرافية ـــــ استراتيجية»، مبيناً أنَّ زعيم الدولة العبرية «لم يرغب بأن يعطي المصريين أن يدوسوا على أرض إسرائيل، كان مستعداً لأن يدفع ثمناً ديموغرافياً، وربّما قدّر بأنَّ جزءاً من سكان القطاع سينتقلون إلى مصر أو الأردن لتجنب العيش تحت حكم إسرائيل».
لكنَّ بن غوريون واجه معارضة موشيه شاريت، الذي كان صاحب فكرٍ ديموغرافي ـــــ استيطاني. معارضة وجدت أصداءً في الأوساط الإسرائيلية، وساهمت في اندثار خطة بن غوريون، ولا سيما أن شاريت استند إلى فكرة أن «ضم غزّة سيعيد اللاجئين إلى قرى الجنوب ويافا».

بين الضم والتهجير

لم تدم فكرة بن غوريون طويلاً، وخصوصاً أنَّ مصر كانت تعي النيات الإسرائيلية. إلا أنَّ فكرة الضم ظلت قائمةً، وعادت إلى أروقة الحكومة الإسرائيلية بعد حرب الرابع من حزيران 1967. وبحسب مقالة كتبها خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية رؤوبين بدهيتسور في «هآرتس» عام 2003، فإنَّ وزير الدفاع في حينه موشيه ديّان أجرى مشاورات في أعقاب الحرب لبحث فكرة الضم. كذلك فإن اللجنة الوزارية لشؤون الأمن عقدت جلسة مشاورات أخرى، جرت في نهايتها بلورة مشروع قرار أُحيل على الحكومة للتصديق عليه، ومثّل أساساً لقرار الحكومة في 19 حزيران 1967، الذي نص في جوهره على استعداد إسرائيل لأن تعيد إلى مصر وسوريا جميع المناطق التي احتلتها في مقابل إبرام اتفاقيات سلام، إلا أن القرار ذاته نص على الآتي: «تأسيساً على الحدود الدولية، فإن قطاع غزة يقع ضمن مناطق دولة إسرائيل».
وبالفعل، ففي الفترة الأولى التي تلت حرب 1967، كان واضحاً لكل ذوي الصلة بعملية اتخاذ القرارات في إسرائيل، أن النية تتجه إلى ضم قطاع غزة خلال فترة قصيرة. وكان ديان قد طالب خلال المشاورات التي سبقت اتخاذ هذا القرار، بأن تقرر الحكومة بصراحة ضم قطاع غزة بأكمله إلى اسرائيل. وخلافاً لموقف زملائه في اللجنة الوزارية، لم يقترح ديان قيام إسرائيل بمبادرة بشأن إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين.
وقال بدهيتسور إنّه بعد فترة وجيزة، وتحديداً في منتصف شهر تموز من عام 1967، بلور نائب رئيس الحكومة آنذاك، يغآل ألون، الخطة التي حملت اسمه في ما يتعلق بقطاع غزة. كتب ألون في الوثيقة التي قدَّمها للحكومة أن «قطاع غزة سيكون جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل مع سكانه الدائمين. وسيجري الضم الرسمي للقطاع إلى الدولة بعد تأهيل لاجئي القطاع خارجه. وحتى ذلك الوقت، سيكون للقطاع مكانة منطقة محتلة يحكمها الحاكم العسكري». وكتب بدهيتسور أن «هذه المادة، التي نُسيت وأهملت أغلب السنوات، تُعَد المفتاح لفهم مكانة قطاع غزة منذ عام 1967 وحتى اليوم».
ورأى بدهيتسور أنَّ «ألون، الذي خشي من ضم القطاع مع مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين يسكنون فيه، فضَّل المبادرة أولاً إلى خطط لإفراغ القطاع من اللاجئين الفلسطينيين».
أوكلت إلى «الموساد» مهمة تشجيع لاجئين فلسطينيين من غزة على الهجرة
ألون، الذي قاد في الفترة نفسها تحديد سياسة حكومة ليفي أشكول، فهم أنّ على إسرائيل العمل بأُحادية في موضوع اللاجئين. وفي منتصف حزيران، ادُّعي أنه ينبغي العمل بسرعة لحل مشكلة اللاجئين. وقال: «هذا الحل ممكن فقط عبر توطين اللاجئين في مناطق سيناء. لا ينبغي الانتظار، وينبغي توطين لاجئي غزة في سيناء، لا في العريش فقط. وإذا لم يجرِ توطينهم، فعلينا أن ننسى غزة، أو تسلّم 400 ألف لاجئ من غزة».
وأضاف بدهيتسور أن خطة إقامة قرى في شبه جزيرة سيناء ونقل لاجئي غزة إليها بقيت فكرة نظرية فقط. ألون طرح فكرة «إبداعية» أخرى. لمّح إلى نياته التي قدَّمها في النقاشات التي سبقت القرار في 19 حزيران (1967)، والتي جرى خلالها «رمي» فكرة «تشجيع الهجرة»، أو بكلمات أخرى، «ترانسفير طوعي».
ورأى بدهيتسور أن النتيجة العملية لأفكار ألون تمثلت بخطة سرية، أوكلت إلى «الموساد». بموجبها سيُبذل جهد لتشجيع لاجئين فلسطينيين من غزة للهجرة، وبذلك يُفَرَّغ القطاع ويُبقى مع سكانه الدائمين فقط. وسيؤدي هذا الأمر، حسب ما اعتُقد في حينه، إلى إمكان ضمِّه إلى إسرائيل، وفقاً لخطوط خطة ألون. ووفقاً للتفاصيل التي أوردها بدهيتسور في مقالته، تبين أنَّ الخطة فشلت.
ورأى بدهيتسور أنه، بمرور السنوات، أدت وتيرة التكاثر الطبيعي الكبير لسكان القطاع إلى ازدياد عددهم ليصل إلى أكثر من مليون نسمة. وبالتالي، لم يعد هناك من يؤمن في إسرائيل بإمكان تنفيذ خطة هجرة اللاجئين.

غزّة في ظل «حماس»

استناداً إلى التقرير الاستراتيجي لمدار عام 2008، (صدر في عام 2009) إسرائيل تحاصر غزة لتنفذ مشروعها القاضي بالتخلص من «حماس» عسكرياً، وبالتالي إلى حصر نشاط «حماس» سياسياً ودينياً، لأن في ذلك راحة حركية لإسرائيل لمتابعة مشروعها في تفتيت تدريجي للقوة الفلسطينية التي تهددها.
لذا، فغزة ميدان لتجربة رد الفعل الفلسطيني القوي، وبالتالي ميدان لتحقيق ردع عسكري متجدد لإسرائيل بعدما فقدته أمام حزب الله في حربها على لبنان في تموز 2006. فإذا حققت إسرائيل نجاحين وإنجازات عسكرية في غزة، فهذا يعني أن انسحاباً أُحادي الجانب من بعض مناطق الضفة وضرب حصار شبيه بذاك المفروض على غزة سيأتي أكله جيداً لمتابعة إسرائيل تنفيذ مشروعها التوسعي الاستيطاني، واقتلاع المزيد من الفلسطينيين.


عبر التاريخ

تبدأ مراحل الحكم التاريخية لقطاع غزّة مع الكنعانيين 5000 قبل الميلاد، تبعها الحكم الفرعوني، قبل أن يأتي الحكم اليهودي، ثم البابلي. بعد البابليين، توالى الفرس واليونان والرومان على الحكم، إلى أن جاء الفتح الإسلامي في عام 634. فترة استمرت طويلاً، قطعتها الحملة الصليبية، قبل أن يعود الحكم الإسلامي الذي استمر حتى الحرب العالمية الأولى، ليأتي الانتداب البريطاني. انتداب استمر حتى احتلال فلسطين عام 1948، لتصبح غزة في عهدة الإدارة المصرية، التي انتهت مع «نكسة» عام 1967.
في عام 1994، بات قطاع غزة في عهدة السلطة الفلسطينية الناشئة عن اتفاق أوسلو. وفي عام 2005، كان فك الارتباط الإسرائيلي والانسحاب النهائي من أراضي القطاع، الذي تحكمه حالياً حركة «حماس» منذ عام 2007.