يجمع القادة والخبراء وأصحاب الرأي على ما كان معروفاً سابقاً، وهو أن اليمن عصيّ على الغزاة، وأنه مهما طال أمد العدوان ومهما أمعن في القتل والتدمير والحصار، فإن قدرة التحمل والصمود الشعبي اليمني قادرة على إطاحة العدوان من خلال اعتمادها على سياسة الصبر الاستراتيجي، في موازاة العمل الميداني للجيش و«اللجان الشعبية» اللذين يحققان تقدماً يومياً داخل الحدود السعودية، ويؤدي تراكم الإنجازات وحرب الاستنزاف إلى التمهيد لواقع استراتيجي يفوق التوقع وتكون تداعياته عصيّة على تحمل نتائجه، في إحداث تغييرات جيو سياسية.


كما كان متوقعاً، فإن احتلال أجزاء واسعة من مناطق الجنوب لم توفر للعدوان المدد البشري ولا الاستثمار السياسي، بل مع مرور الوقت أصبحت دول الخليج المشاركة في العدوان تتحمل مسؤوليات وأعباءً تفوق نسبة الاستفادة السياسية من احتلالها للجنوب اليمني، ولم يدم الوقت طويلاً حتى اكتشف الخليجيون أنهم غير قادرين على تحمّل فاتورة بقائهم في هذه المناطق.
استمرار العدوان من دون تحقيق إنجازات قابلة للاستثمار والإفادة السياسية، أظهر ما كان خافياً في صراع الأجنحة داخل الأسرة الحاكمة «آل سعود»، وأصبح الانقسام العمودي يرخي بظلاله داخل الجناح السديري الذي كان على تنافس تاريخي مع بقية الأجنحة. المادة الرئيسة في هذا الصراع، العدوان على اليمن، بنتائجه وتداعياته، سوف يرجح كفة طرف على آخر.
الطرف الذي يقود العدوان هو ولي ولي العهد وزير الدفاع محمد بن سلمان، تؤكد المعطيات امتلاكه ختم الملك سلمان، بسبب تحكمه في والده ومن ثم في الديوان الملكي. ويوصف ولي ولي العهد من قبل عارفيه بالمتهور والمراهق، وإن المناصحة أو إبداء رأي مخالف لرأيه يؤدي بصاحبه إلى إطاحته أو الانتقام منه. المهم في الامر أن محمد بن سلمان يخوض العدوان على اليمن وليس أمامه خيار سوى الانتصار الحاسم، لأن أساس التغييرات التي حصلت أخيراً داخل العائلة المالكة (وانتشلته من مكانه المغمور إلى الصدارة) والتي أدت إلى إطاحة عدد من الأمراء الذين لهم الحق حسب «العرف السائد» في العائلة في الاستمرار بتبوّء المناصب العليا، وعلى رأسهم ولي العهد «المقال» مقرن بن عبد العزيز. الأساس في هذه التغييرات قائم على تقديم محمد بن سلمان على أنه نقل المملكة من التراخي والتراجع إلى عاصفة الحزم وإعادة الأمل بتأديب اليمن وإعادته إلى الوصاية السعودية، وأن الانتصار في هذا العدوان يعيد إلى السعودية لعب دور إقليمي وإسلامي أكبر من الدور الحالي.
الطرف الآخر في صراع الأجنحة يقوده ولي العهد وزير الداخلية محمد بن نايف والعدد الأكبر من الأمراء والمسؤولين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين. يعتقد هذا الجناح أن العدوان على اليمن عبثي ولا طائل منه، وكان بالإمكان حل الخلاف أو معالجة الواقع المستجد في صنعاء بالطرق السلمية والسياسية.


العائلة الحاكمة لم تعد متماسكة وبعض الأمراء لا يكتمون تذمرهم من استمرار العدوان

ينقل أحد الكوادر الأكاديميين السعوديين لـ«الأخبار» أن العائلة الحاكمة في السعودية لم تعد متماسكة، وأن زوار الأمراء الذين يمسكون وزارات مهمة في البلد لا يكتمون امتعاضهم وتذمرهم من استمرار العدوان على اليمن. كذلك يخشى الأمراء أن يؤدي تحقق إنجاز سعودي في اليمن إلى عملية انتقام وثأر من قبل محمد بن سلمان وفريقه. ثم إن الوضع المالي للمملكة لم يعد يسمح لها بدفع فاتورة الآلة العسكرية الباهظة الثمن والانعكاسات الاقتصادية على سائر المجالات، وكذلك الاستمرار في شراء صمت الدول المؤثرة في العالم، خصوصاً أن انخفاض أسعار النفط إلى أكثر من النصف عن الأعوام الماضية سيؤدي إلى خفض الموازنة العامة للبلاد والاضطرار إلى السير بموازنة متقشفة، حسب تعبير وزير المالية، إبراهيم عساف، أخيراً إلى وسائل الإعلام. وأعلن إبراهيم أنه سيتم تخفيض بعض بنود الإنفاق العام غير الضرورية خلال العام الحالي.
دخل صراع الأجنحة في الأسرة المالكة في صلب العدوان على اليمن، وسواء توقف العدوان بالإنجازات العسكرية وهذا أصبح «مستحيلاً» أو في إطار حل سياسي، فإن هناك تحولات جذرية لن تكون العائلة الحاكمة بعيدة عنها.



أكثر من 500 طفل قتلوا منذ بدء العدوان

أعلنت الأمم المتحدة، أمس، أن أكثر من 500 طفل قتلوا منذ بدء العدوان على اليمن في شهر آذار الماضي، فيما يواجه نحو 1،7 مليون آخرين خطر سوء التغذية. وأوضح المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة، كريستوف بولييراك أن 505 أطفال قتلوا على الأقل وجرح 702 آخرين، منذ بدء العدوان، مشيراً في حديث للصحافيين في جنيف إلى أن «هذه الأرقام قد لا تكون دقيقة».
وأضاف بولييراك أن «الوضع بالنسبة إلى الأطفال يتدهور كل يوم، وهو مروع»، وحضّ جميع الأطراف المؤثرة على إنهاء العنف بشكل عاجل.
وندّد أيضاً بارتفاع حالات تجنيد الأطفال في البلاد، حيث تم تأكيد 606 حالات حتى الآن هذا العام، لافتاً إلى أن هذا العدد هو أكثر بأربع مرات من الحالات المؤكدة في 2014، وعددها 156 حالة.
وحذر بولييراك من أن الوضع الإنساني المزري ونقص تمويل منظمات الإغاثة وصعوبة الوصول إلى المحتاجين، قد تتسبب في عدد أكبر من الوفيات بين أطفال اليمن أكثر من أعمال العنف. كذلك حذر من أن عدد الأطفال دون الخمسة أعوام ممن يواجهون خطر سوء التغذية الحاد، تضاعف ثلاث مرات هذا العام، ليسجّل 537 ألفاً، مقارنة بـ160 ألفاً قبل النزاع.
(أ ف ب)