وكان الرحيل... كان أن رحلت إلى تلك البلاد البعيدة، هناك لا يوجد حرب، ولا توجد دمشق ولا بيروت... هناك مدن قضت ما عليها من حرب وقذائف وموت... ذهبت وركبت موج البحر... كان الموت ينتظرها... وينتظر طفلي الذي ربما هو في أحشائها... ربما... في البلاد البعيدة الغريبة... لا لغة لنا... لا هوية... يقال إن الوطن حيث الأمان... ويقال إن الوطن قضيتك التي تنتمي إليها...


لا أعرف تماماً، عرفت الوطن القضية، ولم أجده... وجدته بضعة أيام قليلة ولم أعد إليه إلا زائراً، كأي سائح يأتي من المدن الغريبة... قد يأتي منها عجوز كان جندياً مستعمراً البلاد.
قررنا الرحيل وترك البلاد لأهلها من طائفيين و"قوميين" و"وطنيين"، لا لأننا تكبرنا على الأوطان، ولا لأننا نحب تلك البلاد... رحلنا لأننا بلا وطن، ولأن سوريا التي كانت حلم الجميع بحبها وحنانها، باتت مقتلة، وبيروت التي جئناها محبين ومرغمين، لا تريدنا، وعمان لا تستقبلنا إلا بقيود تكاد تكون مستحيلة، وقاهرة المعز تمنع عنا دخولها، والجزائر التي كانت تدخل الفلسطيني بلا فيزا، باتت لا تسمح لفلسطيني بعبورها، والخليج شكيتهم لله، وباقي بلاد العرب، فلا كلام...
رحلنا لأننا نُنبذ، لا لكوننا فلسطينيين، بل لأن وقت صلاحيتنا للاستخدام انتهى، وخرائط الشرق الأوسط الجديد لا تريد فلسطينياً في دول الطوق الفلسطيني "الإسرائيلي" كما يبدو.
سنكون هناك في تلك البلاد التي كانت تستعمرنا ودفع أجدادنا دماً حتى رحلت عنا، وتلك البلاد أيضاً دفعت دماً قبل ذلك حتى صارت حلم المضطهدين في العالم، سنكون فيها لأننا سنحصل على إقامة وجنسية بعد عدد قليل من السنين، حينها لن نخشى الحدود العربية "العظيمة"، لن نخاف من حاجز طيّار يسألنا عن الإقامة، فنجيبه بأن بلادك ترفض منحنا إياها، فتكون النتيجة إما السجن أو الترحيل أو أو... سنكون هناك لنكون نحن الفلسطينيين، لأول مرة مواطنين لدولة ليس لنا فيها هوية... إنه حلم بسيط كبير... ولكن طفلي الذي سيأتي يستحقه، فلا أريد لابني أن يكون لاجئاً، وإنها ثورتنا الفردية حتى النصر...