كأنّ الفلسطيني محكوم عليه بتعلّم الحكمة طوال عمره، أن يخوض ويطبق فكرة أنّ الإنسان ليس له مكان محدد بعينه، وأنّ وطنه الأرض كلها يتيه فيها يبحث عن ذاته وشخصيته وكيانه، كأنّه محكوم أن يكون فيلسوفاً بالفكرة والممارسة والمعرفة والمعاناة وكل شيء، وكأنّ الشتات الذي يعصف بالفلسطيني فرصة من ذهب، ذهب ذهب يظل يبرق في حياته طوال أيّامه، أبداً يؤدي به لتطبيق ذلك المنهج! فرصة لا تخونه إطلاقاً،لا تفلت منه أينما حلّ وأينما رحل، وكأنّ مصير الفلسطيني أن يبقى هكذا أبداً.


ربما المسألة هنا ستختلف، على الأغلب ستبدو كمن يحاول أن يرى النصف الملآن رغماً عنه، رغم كل ما يحيط به. سيقال هنا: هذا تجميل للشتات والواقع المر وخلافه ومحاولة للظهور بشكل أكثر متفائل ومتقبل للواقع وغيره من كلام يجري في السياق ذاته، أقول لك ربما هي محاولة لرؤية الأمور بمنظور آخر، لنقل نوع من التخفيف من الصدمة الدائمة التي يعيشها الفلسطيني على مدار سنوات عمره، وليس هذا تمجيداً لمعاناته، بل هي لحظة تأمّل لما تمنحه وتسلبه الحياة على حدّ سيان بشكل مجرد وموضوعي جداً. حتى إنّه وحينما يخبرني أحدهم برغبته في عدم توريث اللجوء والتشرد لأبنائه، وفي سياق رغبته لتحقيق ذلك يسعى إلى تأمين جنسية أوروبية تمكّنه من تأمين حياة أولاده والنأي بهم عن معاناة ممكن أن تُبعدهم عن تحقيق ذواتهم، بما يمكنهم من المشاركة في التغيير في أي مكان يوجدون فيه. وهذا بحد ذاته ليس تفكيراً شاذاً أو غريباً أو فيه تنصل من واقع، بقدر ما هو طريقة تفكير سليمة في محاولة للحياة بشكل طبيعي مثله كمثل أنظاره المواطنين في هذا العالم. بكل الأحوال، ربما هو سهل التنظير أمام هكذا رغبة، هي بطبيعة الحال ليست متاحة، بل صعبة المنال، والأدهى من كل هذا أنّها تضع المرء في صراع مستميت بينه وبين نفسه، يجعله بكل الأحوال متهماً أمام ذاته، وهذا غالباً ما يسبب له خللاً يعيقه عن تحقيق رغبته تلك! بالنهاية، إن كانت الحكمة القبول بواقع لا يوفر مستلزمات كرامة العيش فهذا جنون بكليّته، لا فائدة منه ولا يُحقق شيئاً لأحد!