مأرب | منذ اشتعال الحرب في محافظة مأرب، التي اندلعت بعد إعلان السعودية عدوانها على اليمن بأسبوع واحد، وجدت الميليشيات والعناصر الإرهابيون ضالتهم بعدما كانوا قد أنشأوا عدداً من المعسكرات التدريبية في مناطق متفرقة، كان أبرزها معسكرا «السحيل» و«نخلأ» الواقعان في الجهة الشمالية لمأرب ومعسكر «ملعأ» في مديرية الجوبة.


أعلام متعددة وشعارات متنوعة ترفعها الفصائل المقاتلة في مأرب يغطيها الإعلام السعودي بمسمى «المقاومة» و«الجيش الوطني»، رغم وجود خلافات كبيرة داخلها طفا على السطح حينما أغارت مقاتلات سعودية على مطارح «ملعأ» وقتلت العشرات من المرتزقة، من دون توضيح الأسباب التي قالت مصادر محلية إنها بسبب خلافات مادية مستعصية ورفض فصيل «ملعأ» الالتزام بتوجيهات قيادة المرتزقة التابعة للسعودية.
يوجد أربعة فصائل رئيسية في مأرب تتحكم في مسار العمليات، وبقية الفصائل تندرج في إطارها.

ميليشيا «الإخوان» المسلمين

أبرز الفصائل المقاتلة في مأرب هو الميليشيات التابعة للإخوان المسلمين، وتضم مقاتلين من مختلف المحافظات، وخصوصاً الهاربين من محافظة عمران وصنعاء. يقود هذه الميليشيات عبد الرب الشدادي، أحد أبرز القيادات المحسوبة على جنرال الحرب علي محسن الأحمر والمحافظ المعزول سلطان العرادة.
وكان الشدادي يشغل منصب قائد اللواء 312 في مأرب، وفي بداية العدوان أصدر الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الثالثة بعد رفض قيادة وأفراد المنطقة الاشتراك في الحرب، حيث تم تسريح معظم الجنود الرافضين للحرب واستبدالهم بعناصر «الإخوان».
ويقدر عدد أفراد الميليشيات التابعة لـ«الإخوان» في مأرب بـ12 ألف مقاتل، غالبيتهم من خارج المحافظة، وقد توافدوا إليها بعد ثورة «21 سبتمبر» في 2014. توجد ميليشيات «الإخوان» في مدينة مأرب بكثافة وفي معسكرات تدريبية خاصة حيث كانوا يتمركزون في معسكري «السحيل» و«نخلأ» قبل طردهم من قبل الجيش و«اللجان الشعبية»، وانتقلت معسكراتهم إلى الرويك وصحن الجن شرق مدينة مأرب. تهيمن ميليشيات «الإخوان» على الدعم المالي والسلاح الذي يقدم من دول الخليج، وخصوصاً السعودية، حيث يوزعون الأموال على المحسوبين عليهم والموالين لهم، ويخشون من بروز الإمارات كقوة بارزة في مسرح الأحداث في محافظة مأرب، خصوصاً بعد الاستهداف المتكرر لمواقعهم العسكرية من قبل الطائرات، حيث يتهمون الإمارات بإضعافهم واستهدافهم.

تنظيم «القاعدة»

ينشط عناصر تنظيم «القاعدة» في محافظة مأرب منذ سنوات طويلة، ولطالما كان وجود التنظيم الذريعة الرئيسية لطائرات «الدرونز» الأميركية لشن غاراتها الجوية على المحافظة، والتي كانت بدايتها في عام 2002 باستهداف القيادي أبو علي الحارثي.
وجد «القاعدة» في الاستهداف الأميركي المتكرر لعناصره تعاطفاً في أوساط أبناء القبائل المحسوبة على التيار الوهابي المتشدد. وبعد العدوان السعودي، وجد التنظيم فرصته والتحم في صفوف ما يسمى «المقاومة» بعتادها ورجالها، وسمح له ذلك بالترويج لأفكاره الضالة في... تفخيخ... الشباب وتحريضهم ضد من يسميهم الروافض.
وبرز الوجود العسكري لعناصر «أنصار الشريعة» من خلال نقاط التفتيش الخاصة بهم، الموجودة في منطقة نخلأ ووادي عبيدة حيث يقومون باختطاف المواطنين والتنكيل بهم وتعذيبهم. وأبشع جريمة مارسها التنظيم وأثارت الرأي العام المحلي تمثلت في جريمة إعدام خطيب جامع الكولة، وهو شيخ محسوب على التيار السلفي، حيث قام عناصر التنظيم باختطافه وقطع رأسه على مرأى المواطنين ومسمعهم، وكانت تهمته رفض الحرب والعدوان السعودي. الانتشار الكبير لعناصر «القاعدة» في الآونة الأخيرة أثار طائرات «الدرونز» الأميركية التي شنّت أكثر من خمس غارات خلال الشهر الماضي، استهدفت قيادات بارزة في التنظيم في مأرب، حيث قتل أكثر من تسعة من قيادات التنظيم وعناصره خلال استهداف سياراتهم في وادي عبيدة. ويفيد سكان محليون بوجود ملحوظ لعناصر أجانب في صفوف «القاعدة» ومن جنسيات مختلفة، ويتربعون على قيادة التنظيم في مأرب.

الجيش الموالي لهادي

وهو عبارة عن مجاميع تم تدريبها في منطقة العبر بعد العدوان السعودي وتم استقدامها إلى مأرب بغية رفع معنويات الميليشيات الموالية للعدوان وتحقيق أي نصر.
يبلغ تعداد الجنود حوالى ثلاثة آلاف جندي، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة العسكرية والعقيدة القتالية، خصوصاً أنهم مجاميع تم تدريبها على عجل، إضافة إلى عدم معرفتهم بطبيعة الأرض والتضاريس.
وعلى الرغم من الآليات والمدرعات الحديثة التي تم تزويدهم بها، لم يحدثوا أي تأثير في الميدان، وكانت السطوة الأبرز لميليشيات «الإخوان».

المرتزقة من القبائل

أسهمت الأموال السعودية المتدفقة على المشايخ في قيامهم بتجنيد أكبر عدد من عناصر بعض أبناء القبائل للقتال إلى جانب العدوان السعودي.


ميليشيات «الإخوان» الأكبر في مأرب ويقدّر عدد أفرادها بـ12 ألف مقاتل غالبيتهم من خارج المحافظة


ولعل علاقة المشايخ بالأمراء السعوديين علاقة قديمة تربطها اللجنة الخاصة الشهيرة بصرف مكافآت شهرية لأبرز المشايخ في اليمن، وعمدت السعودية في الآونة الأخيرة إلى قطع المكافآت الشهرية عن المشائخ الذين رفضوا تأييد العدوان على بلادهم، بل عمدت إلى دعم شخصيات أخرى للانتقام من المشايخ الرافضين للأطماع السعودية في اليمن. ويتصف عناصر المرتزقة بعدم الانتظام والمزاجية والفوضوية والهروب من جبهات القتال وعدم الالتزام بالتوجيهات، خصوصاً في حال تأخر صرف الأموال والسلاح لهم.
ولا توجد إحصائية معينة لعدد المرتزقة، إلا أنهم لا يتجاوزون خمسة آلاف عنصر، ويخضعون في توجيهاتهم لأوامر المشايخ الذين يتواصلون بدورهم مع القيادات العليا لقوات العدوان السعودي.
وقد جرى استهدافهم في عدد من المناطق من قبل طائرات العدوان السعودي وقتل العشرات منهم في ظروف غامضة ومن دون توضيح الأسباب الحقيقية للاستهداف المتكرر الذي يعزوه مراقبون إلى الخلافات المالية المتصاعدة بين قيادات المرتزقة، إضافة إلى أن قيادات «الإخوان» تسعى للتخلص منهم.
وعلى الرغم من وجود الفصائل في المشهد الميداني للحرب الدائرة في محافظة مأرب، والتي يساندها تحالف العدوان بالطائرات الحربية والسلاح والأموال والمدرعات الحديثة، إلا أنها فشلت في تحقيق أي إنجاز عسكري يغيّر في المعادلات على الأرض، الأمر الذي دفع بالتحالف إلى إرسال المئات من الجنود السعوديين والإماراتيين والبحرانيين والقطريين وغيرهم من المرتزقة الأفارقة إلى بعض مناطق محافظة مأرب عبر صحراء مفتوحة إلى منفذ الوديعة الحدودي. وقامت قوات تحالف العدوان بالتمركز في معسكر «صافر» ومعسكر «صحن الجن» شرق مدينة مأرب، مدعومة بطائرات «الأباتشي» ودبابات ومدرعات حديثة.
وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي منيت بها قوات التحالف والفصائل الموالية لها في مأرب في الأرواح والعتاد، فإن السعودية ودول التحالف لا تزال تعوّل على أي انتصار في هذه المحافظة النفطية لاستعادة كرامة وهيبة جنودها اللتين فقدوهما في صافر بعد استهدافهم بصاروخ «توشكا».



الصراع المؤجل

إن إغراق محافظة مأرب بالميليشيات المسلحة والعناصر الوافدين من مختلف المحافظات والدول يهدّد بالدخول في مرحلة صراع طويلة المدى وتمزيق النسيج الاجتماعي القبلي المتجانس في هذه المحافظة، حيث تتناقض تلك الفصائل في الولاءات والمشاريع والمصالح ويسعى كل فصيل لإظهار قوته من خلال ارتكاب جرائم بشعة لترويع المواطنين وفرض سيطرته على الأرض.
كذلك فإن الدعم اللامحدود بالسلاح المتطور والأموال ينذر بصراع بين تلك الفصائل، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بين قيادات الميليشيات المسلحة والاتهامات المتبادلة، والتي ظهرت إلى العلن بسبب تقاسم الأموال السعودية وشعور بعض الفصائل بمحاولات تهميش دورها وإقصائها عن المشهد.