«مملكة الخير» كما عهدها العالم، تمتعض، ليبيعها الغرب حبوب «الرضا» بدفع «العملة»، دون أن تقلع عن القذارة. «الفضيحة» بحسب تعبير النشطاء هذه المرة، كشفت عن جبين مجلس حقوق الإنسان بقعة سوداء برائحة النفط والبارود، شكّلت بحد ذاتها اعترافاً دولياً «مشين»، من قبل أعضاء مجلس حقوق الإنسان، بأنّ لـ«مملكة السيف» وجهة نظر في حقوق الإنسان.


تأهيل السعودية، وفقاً لنظامها القضائي (الوهابي) لنشر الإنسانية في العالم، باختيار مندوبها لدى الأمم المتحدة، فيصل بن حسن طراد، رئيساً للجنة الخبراء المستقلين، مدعاة سخرية وخيبة أمل المنظمات الحقوقية والنشطاء في آن واحد، المملكة ذات السجل الأسوأ في العالم باتت تترأس اللجنة المسؤولة عن رصد «مدى امتثال» الدول الأطراف في المجلس لالتزاماتها التعاهدية. السعودية إن لم تكن الوحيدة، فإلى جانبها إسرائيل، لم تمتثل لمعاهدات مجلس حقوق الإنسان واتفاقاته، لا السياسية ولا الاقتصادية ولا الاجتماعية ولا حتى الثقافية، ولم تسمح، كما فعلت إسرائيل في فلسطين، للمراقبين بالنزول إلى الأرض، منذ دخولها المجلس في عام 2013، للتحقق من تطبيق ما ورد في توصيات تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» عام 2009، مخالفة بذلك أبسط القواعد التي تلتزمها الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، رغم توقيعها عليها.
«ازدواجية المعايير» في الأمم المتحدة بتعيين السعودية «قاضي» العالم، أخلّت بهرم مجلس حقوق الإنسان، انتقادات أعضائها السابقة ضُرب عرض الحائط بها، بالإضافة إلى المنظمات الحقوقية من بينها «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش»، وكل الضوء المسلط على انتهاكات النظام السعودي في الداخل والخارج، لم ينجح في خرق «الفيميه» إلى بيت آل سعود الزجاجي، لا بل لم تشكل حتى، مطباً لفرملة استمرار تشجيع حلفائها لارتكاب المزيد من هذه الانتهاكات الفاضحة من ارتفاع معدلات الإعدام والتمييز الممنهج بحق الأقليات الدينية، إلى أحكام السجن ضد النشطاء السياسيين والحقوقيين، بالإضافة إلى انتهاك حقوق العمال الأجانب، ما قد يرقى أحياناً إلى مصاف التعذيب والتشغيل القسري، والتمييز ضد المرأة، وغيرها الكثير.
الأمم المتحدة نفسها وجهت في 5 آذار الماضي، انتقادات إلى أوضاع سبع دول عربية، بما فيها السعودية، ما يثير الاستغراب بشأن التناقض الذي خضع له مجلس حقوق الإنسان. مفوض الأمم المتحدة السامي زيد بن رعد بن الحسين، شرح في تقريره الدوري الذي قدمه للدورة الـ28 للمجلس قبل سبعة أشهر، المخاوف المطروحة بشأن حالة حقوق الإنسان في السعودية، وطالب حينها مجموعة من خبراء المجلس (الذين بات يرأسهم مندوب الرياض فيصل طراد) المملكة بتعديل نظامها «القضائي» وفقاً للمعايير الدولية نظراً إلى ارتفاع معدلات الإعدام.
جواب السعودية جاء أمام مجلس حقوق الإنسان قبل أيام، مزيداً من الإصرار على فرض شريعة آل سعود، وأن تنفيذ أحكام الإعدام باقية، وهي لن تتخلى عنها بحجة اتخاذها الشريعة الاسلامية دستوراً، وزعم فيصل طراد، أن أحكام الإعدام لا تصدر إلا في أخطر الجرائم، فيما تواصل المحاكم السعودية، رغم الإدانة العالمية، تنفيذ الأحكام بحق النشطاء بمعدل مرتفع، منذ وصول الملك سلمان إلى الحكم، لتقفز حالات الإعدام فوق الـ135 ـ بحسب منظمات حقوق الإنسان الدولية ـ وكان آخرها على الفتى علي النمر (ابن شقيق الشيخ نمر باقر النمر).
وصول السعودية إلى منصب المشرف على تنفيذ «حقوق الإنسان» في العالم، قطعاً لم يكن «نتيجة طبيعية»، إنما كان تنفيذاً لوعد بريطاني قديم، المحادثات السرية جرت بين الشريكتين لـ«تبادل الدعم» داخل المجلس، حصلت في تشرين الثاني 2013، وفقاً لوثيقة نشرها «ويكيليكس» أخيراً، أي منذ فوز السعودية بمقعد في مجلس حقوق الإنسان، هكذا تجري الأمور في أروقة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، طلبت السعودية حينها الدعم من بريطانيا في للفترة ما بين عامي 2014 - 2016، مقابل دعم المملكة لها لعضوية المجلس لفترة ما بين عامي 2014-2015، وفقاً لمذكرة سرية أخرى.
انتقادات كثيرة وجّهت إلى الأمم المتحدة حيال عدم ملائمة السعودية لقيادة هذه القاطرة، في ظل سجلها البائس، منظمة «مراسلون بلا حدود» الحقوقية، التي تصنف المملكة في المرتبة 164 من أصل 180 على جدول تصنيف حرية الصحافة للعام الجاري، اعتبرت أن تغاضي الأمم المتحدة عن تعيين أكثر الدول قمعاً في مجال حقوق الإنسان لهذه الرئاسة أمرٌ «مشين»، مشيرةً إلى «سجلّها الكارثي بكل المقاييس».
منظمة «هيومن رايتس ووتش» اتّهمت الأمم المتحدة بخذلان اليمنيين، عبر السماح للسعودية وبريطانيا وأميركا وفرنسا بعرقلة تبني مجلس حقوق الإنسان، مشروع قرار هولندي بالاشتراك مع ألمانيا وست دول أوروبية أخرى، بتشكيل لجنة أممية تُعنى في التحقيق بشأن الجرائم في العدوان السعودي على اليمن. واعتبر عضو المنظمة فيليب دام، الذي كان مراقباً للمفاوضات حول المسودة الهولندية أن هذه الدول استسلمت للسعودية دون مقاومة، وسمحت بنحو مذهل للبلد المسؤول عن انتهاكات خطيرة في اليمن بأن يصوغ القرار ويحمي نفسه من أي تحقيق.
مسارعة المملكة إلى طمر المشروع بضغط سياسي، كانت خوفاً من بدء مسلسل فضح الجزء الأكبر من سجلها، الانتهاكات في الخارج، في اليمن خصوصاً، رغم أنه لا حاجة إلى منظمات حقوق الإنسان لرؤية خيوط «البصمة الحمراء» كيف طبعت بدماء اليمنيين، حكاية «استعادة الشرعية» حدّثته العيون ووثقته الكاميرات. ولا حرج، انتهاك لقوانين الحرب بكل أشكالها، وهجمات عشوائية على مدن بأكملها، بالإضافة إلى إجراء تجارب للذخائر العنقودية لمصلحة إسرائيل وأميركا في مناطق مأهولة بالمدنيين، فضلاً عن حصار بحري وجوي يرقى ـ وفقاً للمنظمات الحقوقية ـ إلى مصاف تجويع المدنيين كوسيلة حربية، وهي تعد جريمة حرب... لا بل جريمة بحق الإنسان.
نعم، قد يحق لـ«مملكة السيف» أن تكون رأس هرم «الخبراء» في المجلس الذي تبنّى القرار العربي ـ المعد بناءً على مقترح سعودي ـ بشأن العدوان على اليمن، لا بل يحق لها، في هذا الاتجاه، أن تكون عضواً فاعلاً فيه بعد عجزه لسنوات عن إدانة «صنّاع» المذابح وتفشي الإرهاب في سوريا والعراق، ولعجزه المزمن أمام انتهاكات الكيان الإسرائيلي ضد شعب فلسطين، فكما تكونون... يولّى عليكم.