موسكو | بات واضحاً أن التدخل الروسي في سوريا جاء بعد اتساع رقعة انتشار المتطرفين ودخولهم مناطق كثافة سكانية سورية هذا الصيف، وأصبح 80% من السوريين يعيشون على مساحة 20% من الأراضي السورية التي استطاعت الحكومة توفير حمايتها وتأمينها خدماتياً.


وبحسب معطيات خبراء روس، يقطن أكثر من نصف السكان في المناطق التي تديرها الحكومة السورية الشرعية بقيادة الرئيس بشار الأسد. ويقول الخبير العسكري فلايمير يفسييف إنه عندما اقترب المتطرفون من تلك المناطق، لم يعد بوسع روسيا انتظار أكثر بعد تهديد عشرات آلاف السوريين بخطر التصفية الجسدية على أيدي العصابات الإرهابية المتطرفة.
لا شك في أن إنشاء قاعدة عسكرية جوية روسية في اللاذقية أسهم في إنقاذ المدينة والمنطقة من هجومات المتطرفين. كان منتظراً هجوم لجبهة «النصرة» التي غيرت مخططها وحولت تحضيراتها الهجومية باتجاه منطقة حماه.
السبب الثاني الذي أسهم في قرار روسيا تعزيز نشاطها العسكري في سوريا كان اتفاق فيينا النووي في تموز الماضي واتخاذ مجلس الأمن القرار 2231 الذي ينص على إلغاء العقوبات عن إيران. تحررت روسيا من قيود كانت تمنعها من تفعيل تعاونها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كذلك تحررت إيران من قيود تحركها على الأرض السورية بنحو أوسع، ما شجع روسيا على اتخاذ هذه الخطوة عن قناعة بأنه للتوصل إلى تسوية سلمية في هذا البلد لا بد من تحقيق انتصار مؤثر للجيش الوطني السوري. أما خلال تقهقر الجيش فلا يمكن تحقيق أي مسار سلمي بتاتاً.
ويرى خبراء استراتيجيون روس أن هدف التدخل الروسي هو تحرير نصف البلد، وبعدها البدء في الحوار. يشيرون إلى أن روسيا لا تنظر إلى إنهاء الصراع في سوريا بالقوة العسكرية «فهذا غير ممكن، بل تسعى إلى تحقيق ظروف تسمح بانعقاد جنيف 3 في ظل ظروف انتصارات يحققها الجيش الوطني السوري».
ويقول فلاديمير يفسييف: «أظن في ظل نجاح المساعي الروسية، سيكون في وسع القوات الروسية الجوية العمل في العراق، وفي خطوة مستقبلية في أفغانسان، وهذه بداية إصلاح الوضع الذي أوجدته الولايات المتحدة في كل المنطقة».
يضيف الخبراء أن «روسيا مهتمة باستقرار هذه المنطقة، ولولا تأييد القوى الحليفة الصديقة لما أقدمت روسيا على هذه الخطوة. روسيا أتت إلى المنطقة لتبقى فيها لزمن طويل، ولا تنوي الخروج من منها. لكنها لا تريد أن يبدو قتالها من أجل سلطة معينة في مواجهة الآخرين، وهي لن تقاتل السوريين من أجل بشار الأسد. ولا تضع أمام عينيها هكذا هدف. الهدف هو مساعدة الجيش الوطني السوري للانتصار على المتطرفين الإرهابيين، أما من هو جاهز للدخول في عملية التفاوض من المعتدلين، سواء أكان اسمه جيشاً سورياً حراً، أم تسميات أخرى وتشكيلات أخرى، فروسيا لا ترى مانعاً من الكلام معهم».
أما عن سبب غضب دول تحالف الإرهاب كالولايات المتحدة، السعودية، قطر وتركيا من روسيا، وهم في الواقع يعتبرون جميعاً مؤسسي ما يدعى «الدولة الإسلامية»، فيرى خبير روسي أن «قتال روسيا للدولة الإسلامية يجعل أسنانهم تصطك ويمكن من هنا استيعاب سبب الحرب الإعلامية التي دخلت فيها دول الخليج، ولا سيما قطر بشكل فعال».
يضيف: «فعلياً، ليس هناك من وجود فعلي لما يسمى جيشاً سورياً حراً. منهم من التحق بقوات الرئيس بشار الأسد، ومنهم من تحول إلى جانب الإسلاميين المتطرفين. ولكن أثبتت التجارب بأي حال أن هناك قوى يمكن التفاهم معها. بعض المجموعات المسلحة في ريف دمشق مثلاً دخلت في معادلة تسوية، دمشق لم تكن تتعرض لقصف مدفعي أو بالهاون إلا بعد سيطرة المجموعات المتطرفة التكفيرية على أماكن حيوية. بشكل أو بآخر، يمكن التفاهم مع بعض القوى على الأرض السورية بينها لجان وميليشيات محلية يجب ويمكن التفاهم معها، وهذا أمر صحي». ويلفت إلى أنه «عندما تتحدث روسيا عن جنيف 3 وعن تشكيل حكومة انتقالية، مع المحافظة على سلطة الرئيس بشار الأسد، تكون موسكو تقول إن القوى التي ممكن أن تنضوي ضمن تلك الحكومة هي القوى التي ممكن التفاهم معها».
من غير الممكن التكهن بالفترة المطلوبة لإنهاء العملية الجوية العسكرية الروسية في سوريا. تشير تقارير خبراء عسكريين في موسكو إلى أن تقويم عمل القوات الجوية الروسية ممكن مع حلول نهاية العام الحالي. هذا ما يفسر كلام صدر عن رئيس لجنة العلاقات الدولية في الدوما الروسية اليكسي بوشكوف حول مدة تراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر لمهمة عمل تلك القوات.
مع حلول رأس السنة، يضيف الخبراء أنفسهم: «ستتضح الصورة ويتضح تحول المشهد، وإلى أي حد نقطة التحول في مسار مسرح العمليات الميدانية ممكنة. لكن الأهم من كل ذلك هو أن روسيا أنشأت القاعدة الجوية في اللاذقية ولا نية لديها للخروج منها. وإضافة إلى القاعدة البحرية في طرطوس، تشير الإنشاءات إلى بناء قاعدة جوية إضافية، ما يفسر نية روسيا بالبقاء في المنطقة لأمد طويل».