رام الله | في أحد الشوارع المؤدية إلى عاصمة الضفة، رام الله، كانت 20 دقيقة تفصلنا عن المواجهات المستمرة في حي البالوع منذ أيام. يظهر في الطريق عشرات الشبان القادمين من مختلف القرى حول رام الله، للاشتباك مع جنود العدو على حاجز «الدي سي او».


تنقل سيارات الإسعاف عشرات الإصابات بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، وحالات الاختناق بفعل قنابل الغاز في المنطقة. «كر وفر» هكذا وصف السائق المكان الذي تستعر فيه المواجهات، مرفقاً ذلك بتحذيري: «ديري بالك، الكل مستهدف. هدول ما بفرقوا لا صحافة ولا بطيخ». يبدو أن قصة البطيخ راجت في الضفة، بعدما أصيب مستوطن في الخليل بسبب بطيخة ألقاها أحد الشبان على رأسه، خلال هجوم قطيع لهم على قرية بيت عنون قرب المدينة.
جزء كبير من الملثمين الذين يلفون على أنفسهم، إما الكوفية وإما علم فلسطين، يحملون على أكتافهم حقائب المدرسة، التي غادروها من أجل تعلم درس جديد هنا. كيف يمكنك الهرب من الرصاص وقنابل الغاز والصوت، و«البطل» هو من يعيد قنبلة الغاز بسرعة إلى الجنود الإسرائيليين.
في المقابل، لا بد من الإطارات المشتعلة وحتى «رشاشات» الدواء الخاص بالحشرات كي يحجبوا الرؤية عن الجنود. كلما زاد عدد المتظاهرين صار أسهل على الجنود قنصهم. تتوالى الإصابات، ومن بينهم طلاب وطالبات من المدارس الابتدائية الموجودة في المنطقة، المشارك فيهم بالمسيرة أو حتى العائد من مدرسته إلى بيته.
البالوع هو الحي المحاذي لشارع نابلس ــ رام الله. من هناك يمكن التوجه إلى نابلس. لكن الطريق صارت «حزّيرة» بسبب الإغلاق الذي فرضه الجنود على المدينة خلال بحثهم عن منفذي عملية «إيتمار».


العدو حاول اعتقال طفل عمره 3 سنوات لأنه «كان يلقي الحجارة»
يضطر المواطنون إلى سلوك طرق ترابية وملتفة لتجنب التعرض لهجمات المستوطنين على الطريق الرئيسية أو على حاجز حوارة، فضلاً عن التفتيش المذلّ والمهين للسيارات الداخلة والخارجة بين المدينتين. وخلال المسير، تلحظ آثار الاعتداءات على البيوت في قرى بيت دجن وبيت فوريك واللبن. كلها تعرضت للتخريب ولمحاولات الإحراق.
الطريق إلى قلقيلية وإلى طولكرم، شمالاً، كانتا مغلقتين أيضاً، واقتصر الدخول والخروج على حالات معينة وفقاً لمزاج الجنود. فبعد استشهاد الشاب حذيفة عثمان من بلدة بلعا شرق طولكرم، فجر أمس، دامت المواجهات لساعات بالقرب من مصنع «جيشوري» الإسرائيلي. احتدت المواجهات وازداد عدد المصابين، ومنهم من تلقوا إصابات خطرة. وبسبب الإغلاق لم نتمكن من الوصول إلى جنازة الشهيد عثمان.
وردنا اتصال من الخليل. الحال نفسها: حرب الشوارع مستمرة. «الضرب المبرّح»، جملة كررها من نتمكن من الاتصال بهم. «كل دقيقة هناك اعتداء وإصابة. الخليل لا تنام هناك مواجهات في قرية خرسا ويطا ودورا وبيت عنون وحلحول وبيت أمر... وكل القرى». مع أن المضحك المبكي في كل الأخبار، أن جنود العدو اقتحموا منزلاً هناك لعائلة الجعبري لاعتقال طفل يبلغ من العمر ثلاثة أعوام. والتهمة أنه كان يلقي الحجارة على الجنود في منطقة الراس القريبة من مستوطنة «كريات أربع»، شرق الخليل!
وسط كل ذلك، قررنا العودة إلى رام الله. لا مجال للوصول إلى أيّ مدينة. في تلك اللحظات، أتى خبر عن «شهيد جديد!»، هو الفتى عبد الرحمن مصطفى (13 عاماً)، من بيت لحم. أصيب برصاصة في الصدر قطعت شريان القلب، ونقل إلى غرفة العمليات في مستشفى بيت جالا الحكومي. كان وضعه خطيراً للغاية، إلى أن أعلن استشهاده. ثار أهل بيت لحم وامتدت المواجهات إلى المخيمات، وفي محيط مسجد بلال بن رباح وقرب قبة راحيل.
صاروا 4 شهداء. كلّهم صغار في العمر. لا يقفز إلى الخاطر سوى وجه والدة الشهيد مهند حلبي. اقتحم الجنود منزل العائلة في قرية سردا، شمال رام الله، واحتجزتهم في إحدى الغرف واعتدت عليهم بالضرب. لا تزال إسرائيل ترفض تسليم جثة الشهيد مهند لعائلته حتى اللحظة، لكنها أعلنت نيتها تسليم جثة الشهيد فادي علون بحضور 50 ــ 70 شخصاً في الجنازة، ثم تراجعت عن ذلك. أما القدس، التي نعجز عن الوصول إليها. فلم تهدأ منذ 9 أيام. البلدة القديمة مغلقة للمرة الأولى منذ عام 1967. الثوري وسلوان والعيسوية وباب العمود وغيرها من المناطق تنتفض بالتوازي مع مخيم شعفاط وعناتا.
منذ الثالث من هذا الشهر، وصلت إلى المستشفيات 625 إصابة، منها 175 أمس. يوم صعب لم يكن ينقصه صوت المذياع، وفيه صوت أحدهم معرفاً نفسه بأنه منسق لجان المقاومة الشعبية. يقول الرجل إن الاحتلال يتخوف من انتفاضة ثالثة، وإن علينا ألا نلتزم البيوت. «يجب أن نذهب غداً لأعمالنا وجامعاتنا وعلى المستوطنين أن يجدوا طرقاً بديلة وليس نحن!».
السائق يردّ: «خلص... انتفاضة فش حكي ثاني». بعض الراكبين ضحكوا وهم يرون أن أكثر أمانينا تفاؤلاً قد تكون كابوساً كبيراً... علينا وعليهم.