انطلقت المفاوضات اليمنية في الكويت بعد تأخير استمر أياماً عدة، بسبب استمرار خروقات العدوان وحلفائه للهدنة المعلنة، وبسبب تفرد المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ في وضع جدول أعمال المفاوضات، خلافاً لما اتفق عليه مع صنعاء.
منذ بداية المفاوضات التي جرت على الحدود بين الجانبين اليمني والسعودي، تكرست هدنة حدودية متماسكة إلى حدّ ما من قبل الطرفين، بالتلازم مع خطوات ذات طابع إنساني. وترافقت أيضاً مع تصريحات ذات نبرة «تصالحية» أطلقها المتحدث باسم «أنصار الله» محمد عبد السلام. مواقف تخدم إيجاد أرضية صالحة لوقف العدوان والانتقال إلى المفاوضات والحوار على القضايا الجوهرية بين اليمن والسعودية وبين اليمنيين أنفسهم.

قد تفضي هذه الجولة إلى تكريس الهدنة فقط

السعودية، برغم أنها تبحث عن حلٍّ يحفظ ماء الوجه، ويخرجها ظاهرياً بمظهر المنتصر، لم تقابل الجانب اليمني بإجراءات تمهّد الأرضية لمرحلة انتقالية متدرجة يصبح في نهايتها الحديث عن القضايا الجوهرية متاحاً ومقبولاً من الجميع، بل أطلقت ماكينتها الإعلامية والسياسية في هجوم غير مفهوم. فمرة جديدة، قرأت الرياض بصورة خاطئة «اللهجة الهادئة» الصادرة من جانب «أنصار الله»، مورطةً نفسها في سياسة تصعيدية. هذا الأمر دفع «وفد صنعاء» إلى تأخير التحاقه بمفاوضات الكويت التي كان من المفترض أن تنطلق يوم الاثنين الماضي، في رسالةٍ تنبه الطرف السعودي إلى ضرورة السير وفق مقتضيات الخريطة العسكرية والميدانية التي لا تميل إلى مصلحة قوى العدوان، وبأن لجوء «أنصار الله» إلى «اللّين» وتطلعها إلى السلام العادل، لا يلغيان حقيقة استمرار الصمود وقرار مواجهة العدوان.
ولا داعي حقيقياً لبحث مستفيض في أوراق العمل في مفاوضات الكويت، لأن المفاوضات تبقى في النهاية انعكاساً لقوة الميدان ولخريطة العسكرية والسياسية على الأرض. وقد طلب «وفد صنعاء» من الجيش و«اللجان الشعبية» البقاء على جاهزية واستعداد وإبقاء اليد على الزناد، في إعادة تأكيد أن ما لم يستطع العدوان تحقيقه في الميدان، لن يُسمح له بإنجازه على طاولة المفاوضات، وأن إخفاقات «التحالف» منذ سنة وشهر كاملين، ستكون حاضرة على الطاولة ولن يستطيع أحد إخفاءها.
وبالتالي، من المقدر أن تشهد أروقة المفاوضات في الكويت مساراً صعباً وشديد التعقيد. ولن تكفي جولة واحدة من الحوارات المضنية لتحقيق السلام المنشود، لأن التباين في القضايا الأساسية بين الطرفين ليس بمقدرة الوسطاء ردم الهوة فيه في الوقت الراهن. ذلك على الرغم من جهود الدولة المضيفة والأمم المتحدة، اللتين تسعيان إلى إغراء وفد «القوى الوطنية» بالمحفزات من قبيل الوعود بإقامة مؤتمر لإعادة إعمار ما هدمه العدوان.
ولن يكون اقتناع ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بضرورة وقف العدوان كافياً من دون دفعه أيضاً إلى الاقتناع بضرورة إيجاد خريطة طريق للخروج من الحرب التي أمر بشنها من دون خطة عسكرية أو أهداف قابلة للتحقق، الأمر الذي يستدعي تنازلات مؤلمة من قبله. وإذا كان جلّ البحث هو عن الشكل والإخراج، فإن اليمن من جهته ليس متمسكاً بالشكل، وهذا ما يؤكده قبول «وفد صنعاء» بالتوجه إلى دولة الكويت التي تعد إحدى دول «التحالف». أما لناحية المضمون، ولا سيما في ما يخص القضايا الوطنية والسيادية، فمعروف أنه ليس بمقدور «أنصار الله» و«المؤتمر» التنازل عنها، ولا يمكنهما مقاربتها إلا بما يحفظ تضحيات اليمنيين وصمودهم أمام آلة القتل السعودي.
في الغالب، ستفضي مفاوضات الكويت الشاقة والمعقدة إلى تكريس الهدنة والعمل على مأسستها من خلال لجان إشراف دولي. أما القضايا الأساسية فستُرحَّل إلى جولات أخرى، ستكون طويلة، وإن حرصت الدولة المضيفة والأمم المتحدة على انتزاع بعض التدابير الإنسانية وتهيئة الأجواء لاستمرار الحوار.