لا يخفى أن وزارة الداخلية المصرية تعاني التشتت والمضاربات بين قياداتها في الأجهزة المتفرعة عنها، ويرفع عدد منهم راية إسقاط الوزير اللواء مجدي عبد الغفار، من منصبه، فيما يسعى آخرون من داخل البيت، إلى إسقاط الشرطة. تدور هذه الصراعات، المكشوف منها والخفيّ، في وقت يزيد فيه الغضب على «الداخلية»، كما كانت الأوضاع قبل 25 كانون الثاني (يناير) 2011. وأخيراً، حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبد الغفار، في خلال اللقاء الأخير بينهما، مما يجري، وطالبه بـ«الحذر وبحسن اختيار معاونيه».
التشتت، الذي تعاني منه الوزارة راهناً، مرتبط بصراعات طرفين يفترض أن يكون كل منهما مكملاً للآخر، لكن جهاز «الأمن الوطني» على صدام واضح مع عبد الغفار وسياساته منذ عدة شهور، وهو الصدام الذي حاول كثيرون احتواءه، لكن تمسك الوزير بقراراته واتباع سياسة «ضرورة استجابة القيادات الأمنية جميعاً» لرؤيته حالت دون ذلك. كذلك بات يخشى إصدار حركة تنقلات يعفي فيها عدداً من القيادات من مناصبهم بصورة استثنائية خارجة عن الحركة الدورية للشرطة التي تعتمد في خلال تموز من كل عام، وذلك تخوفاً من تأثيرها بعمل الشرطة التي استعادت نشاطها بقوة في خلال العامين الماضيين، علماً بأن غالبية الملفات السياسية تحت إدارته مباشرة.

الجيش يرى نفسه الضابط الأكبر لكنه يكتفي بالمراقبة الآن

وبدلاً من ذلك، يحاول عبد الغفار احتواء التحركات بعيداً عن الإجبار، مستخدماً خبرته في تولي مسؤولية الشرطة قبل خروجه من الخدمة والعودة لاحقاً إلى المنصب الوزاري، لكنه حتى الآن يبدو غير قادر على ضبط الأداء بين الوزارة والشرطة التي باتت تشكل وزارة أخرى داخل «الداخلية». وبالتزامن مع حملة نفذتها أجهزة «الأمن العام» لملاحقة بعض الأشخاص الذين يشتبه في تخطيطهم لتظاهرات الاثنين المقبل، وهم ليسوا محسوبين على أي قوى سياسية في المحافظات والجيزة، كان «الأمن الوطني» يشنّ حملة اعتقالات عشوائية وسط القاهرة، وتحديداً في المقاهي. لكن اقتحامات «الأمن الوطني» للمنازل في اليومين الماضيين كانت أبرز سبب للسخط على «الداخلية».
والغريب أن عمليات الاعتقال انتهت إلى إخلاء سبيل نحو ثلاثين شخصاً والتحفظ على بعضهم لوقت أطول، ما يبين أنه لم يكن هناك هدف أمني واضح من الحملة التي أساءت إلى الوزارة. كذلك توجه «الداخلية» اتهامات إلى ضباط يعملون لديها بـ«التعاون مع بلطجية»، في ظل القبض على اثنين من «أخطر تجار المخدرات والسلاح»، يشتبه بدفعهما رشى لنحو 15 ضابط شرطة برتب مختلفة من أجل حمايتهما وإخبارهما بالحملات الأمنية، وهي تحقيقات بدأت تخرج تسريباتها من «الأمن الوطني» بالتزامن مع قرار وزير الداخلية وقف اثنين من الضباط عن العمل بدعوى تسببهما بطريقة غير مباشرة في قتل زملاء لهما.
لكن ما يواجه «الداخلية» ككل هو جزء من حلقة صراع أجهزة الدولة التي تزايد الحديث عنها أخيراً، فيما جاءت تصريحات وزير الدفاع، صدقي صبحي، في خلال «الندوة التثقيفية للقوات المسلحة أول من أمس، لتعبّر عن متابعة الجيش عن كثب للتحركات التي تحدث على الساحة السياسية. فقد أكد صبحي أن «مصر آمنة بقواتها المسلحة التي تتحمل مسؤولية الحفاظ على أمنها القومي في الداخل والخارج، ولن تتسامح أو تتهاون مع من يحاول أن يستبيح أرضها أو ينشر الفوضى على حدودها ولن تقبل ابتزازاً أو ضغوطاً من أحد مهما يكن». ووجه الوزير، الذي حرص على تهنئة السيسي في «ذكرى تحرير سيناء» الدعوة إلى المصريين «من أجل الالتقاء على كلمة سواء تعلي مصالح الوطن فوق المصالح الذاتية».
إلى ذلك، خلص اللقاء بين السيسي وولي عهد أبو ظبي، حمد بن زايد، في جلسة مباحثات ثنائية إلى إطلاع الأول على تفاصيل ما دار في لقاءات القمة الخليجية ــ الأميركية التي عقدت في الرياض قبل يومين. وقبل مغادرة ابن زايد القاهرة أعلن توجيه الإمارات دعماً مالياً جديداً للاقتصاد المصري يقدر بأربعة مليارات دولار، نصفها وديعة للبنك المركزي والنصف الآخر للاستثمار في المشروعات التنموية، وهي خطوة تعوّل عليها مصر للحدّ من ارتفاع الدولار الأميركي أمام الجنيه بعدما اقترب الفارق بين السعرين الرسمي والسوق السوداء من 35% في خلال اليومين الماضيين.