«لقاء قمّة» غير تقليدي بين ثورة يناير (صاحبة السبعة أرواح)، والثورة المضادة في يوم «25 إبريل». القمّة تستحق المشاهدة، وهي بدأت باكراً، وكل فريق يُجري تدريبات قاسية، ويُخفي خطة اللعب. الملاعب ستكون جاهزة (ميادين مصر المحروسة). بعضهم يحجزون مقاعدهم بين كراسي المتفرجين، وآخرون متحمسون للمشاركة على الأرض، في «ذكرى تحرير سيناء».

اللقاء بدأ باكراً، والاعتقالات تطاول الناشطين في مختلف المحافظات، ومدرعات الشرطة تنتشر بكثافة غير مسبوقة في وسط القاهرة ومداخلها. السلطة جادّة في دخول اللقاء المُرتقب، لأنها تعرف أن التظاهرات المعارضة لعبد الفتاح السيسي لن تكون هيّنة، وقد تحمل مفاجآت لا تحمد عقباها.
المعلومات الدقيقة عن اللقاء الصعب محبوسة، لكنّ هناك من يقول إن الرئيس منح الجيش بدلاً من وزارة الداخلية، الضوء الأخضر، لوضع خطة اللقاء، وتأمين اليوم، وتدشين غرفة عمليات خاصة، تنقل تقديراتها إليه، وهو القلق على باقي أيام مدته الرئاسية.
القمّة ستكون مشوّقة، وجدل تيران وصنافير ليس لبّ القضية، بل الفرصة سانحة أمام ثورة يناير لأن ترد الاعتبار إلى جسدها المُنهك، بفعل الغياب والتغييب والمرض الذاتي. الرئيس الحاصل على ميدالية 25 يناير يعلم ذلك جيداً، لذلك أصدر تعليمات محددة بالقضاء على الخصم من أول جولة. مستقبل الرجل على المحك، وهو لا يريد أن يدخل معركة الحسم فيها بالنقاط. الينايريّون يعرفون أيضاً أن نجاحهم في هذا اللقاء هو انتصار مباشر لأحد أهداف ثورة الورود والأغنيات.
المؤكد أنه لا رفاهية أمام ثوار يناير لالتقاط الصور التذكارية ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. لا مخرج إلا الانتصار، وإلا سيواجهون مصيراً أسوأ من مصير الإخوان والقوى المدنية والاشتراكية، وقيادات قديمة من «جبهة الإنقاذ الوطني» (كانوا يؤيدون السيسي)، اتفقت في الساعات الأخيرة على سريّة طرق الحشد، والتعبئة الجماهيرية، والتحرك في اليوم نفسه.
على الناحية الأخرى، سيكون هناك انتشار كثيف لقوات مشتركة من الجيش والشرطة، من الساعة 12 من مساء غد الأحد حتى نهاية اليوم، إذا انتهى بطريقة «مناسباتية»، كيوم جمعة الأرض الفائتة. الخطط سرية، وكل معسكر يفتش في دفاترة القديمة. وفي الأيام الماضية، جرت نقاشات متواترة (مصالحة أوليّة) بين ممثلين عن السلطة الحالية، ورجال أعمال وسياسيين محسوبين على نظام حسني مبارك، وجرى الاتفاق على ضرورة التنسيق والحشد في الشوارع، مقابل تطمينهم في ملفات أبرزها أمور «البيزنس» والاستثمار في البلد.
في معسكر يناير، تتسع الرؤية إلى مخاطر القمّة والدفاتر موجودة. الحديث دائر عن أنّ اليوم قد ينتهي بمواجهات، وقد يسقط شهداء. سيكون يوماً مفتوحاً على نوافذ أيام أخرى. ممثلون عن القوى المدنية والحركات السياسية اتفقوا مع ممثلين عن «جماعة الإخوان» على نزول شباب الجماعة، لكن تحت رايات مصرية لا دينية، أو أخرى تندّد أو تذكر كلمة «الانقلاب». وعدد الداعين إلى النزول يتسع كل ساعة، والمشاركة ستكون كبيرة؛ 16 حزباً وحركة سياسية و152 شخصية عامة يطلقون «الحملة الشعبية لحماية الأرض» ضد التنازل عن تيران وصنافير (مصر مش للبيع)، ويعلنون، أمس، فتح مقارّ أحزابهم للراغبين في التوقيع على عرائض شعبية ضد اتفاقية ترسيم الحدود مع السعوديّة، ورفض منطق استبعاد الشعب المصري من رسم مستقبله السياسي.
المعنويات مرتفعة لدى الداعين إلى النزول في «ذكرى تحرير سيناء»، لمعارضة قرارات وسياسات السيسي. الرئيس الذي سيعلن مفاجأة، في «يوم 25 إبريل». كما تواتر، سيتحدث عن افتتاح مشروعات قومية جديدة (موضة قديمة). الفريق المعارض للرئيس يقلّل من تأثير هذه المفاجأة، على عزم التظاهر، لدرجة أن منهم من يسخر، ويقول إن السيسي قد يُعلن مشاركته في دراما رمضان!
السلطة من ناحيتها، دفعت بعدد من قيادات «الأحزاب اليمينية» إلى إعلان تظاهرات مؤيدة للسيسي، أمام قصر عابدين، وأخرى في المحافظات. تعليمات عاطفيّة برفع صور السيسي في كل المحافظات، وإظهار الأمر على أن الشعب يحارب الخونة، ويحتفل بالرئيس المُنتصر. هناك تشكيك، حتى الآن، في جديّة هذه الدعوات، لأن التنسيق والحشد يجري مع قوات الأمن، التي قد ترفض لأي سبب، وهناك وقائع مماثلة لهذا الأمر.
المؤسسة العسكرية تترقب. لا جدال، فالأمر يتعلق بدورها في المدة المقبلة. التقديرات الواصلة إليها تقول إن هناك حالة غضب شعبي واسع، نتيجة سياسات السيسي. هل يتحمل الجيش هذا؟ هل يتحمل مواجهة مباشرة مع المواطنين في الشوارع؟ في هذه النقطة، هناك تقديرات تقول إن الجيش متحسّب لهذا السيناريو، وهو لن يتحمل مواجهة من هذا النوع، ولا يفضّل.
بعيداً عن أجواء القمّة في مصر، تراقب الرياض وتل أبيب وواشنطن وأنقرة، بقلق، تفاصيل اللقاء. ما سيقوله المصريون الغاضبون قد يحدّد مستقبل خريطة الفكّ والتركيب، التي تُرسم لشرق أوسط جديد، يصبّ في مصلحة إسرائيل والرياض. هذا الرسم مرهون بوجود السيسي في الصورة. رافعة الرجل مهمة، وليس أمامه إلا كسب اللقاء، حتى تتمّ الخطة المتفق عليها بين الرئيس المصري، والسعودية، وإسرائيل، والولايات المتحدة، وحتى يضمن هو تلطيف الأجواء الغربية، حول مستقبله المرتبك في السلطة.